المصنف من التمحل لأنه لا بد في الاستعارة بالكناية من ذكر المشبه بالاتفاق وهنا المشبه وهو إثر الضرر ليس بمذكور ولذا قيل في كتب فن البيان أن الاستعارة بالكناية إن كانت « 1 » تشبيها مضمرا في النفس فلا مانع من أن يكون المشبه في التشبيه مذكورا مجازا وإن كان المشبه به المرموز إليه المستعار للمشبه فلا مانع أيضا في ذلك عن ذكر المشبه مجازا وإن كانت المشبه المستعار للمشبه به كما هو مذهب السكاكي فصحته تدور على صحة الاستعارة من المستعير فإن صحت صح وإلا فلا وذلك بأن يقال لفظ المشبه مثل لفظ إثر الضرر استعارة لنفس المشبه به كالطعم المر البشيع فلو وقع لفظ آخر مثل لفظ اللباس موقعه لزم أن يكون اللفظ الآخر مستعيرا للمشبه به من ذلك المستعير الذي هو لفظ المشبه وأيضا في جواز ذكر المشبه بغير لفظه اشتباه وبالجملة كونه استعارة مكنية بناء على مذهب السلف أو على مسلك الخطيب بعد تسليم جواز ذكر المشبه بغير لفظه والظاهر عدم الجواز فالمصنف اختار كون الذوق والإذاقة استعارة مصرحة حيث قال استعار الذوق الخ .
قوله : ( واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم ) واللباس أي استعار اللباس لما غشيهم الخ قوله واشتمل إشارة إلى الجامع فإن ما غشيهم من إثر الضرر شبه باللباس في الاشتمال قوله : واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف أي واستعار اللباس لما غشيهم من الجوع والخوف وهذه الاستعارة أيضا استعارة مصرحة حيث شبه الجوع والخوف باللباس في الاشتمال على صاحبه فاستعير اسم المشبه به وهو لفظ اللباس للمشبه والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة إضافة اللباس إلى الجوع والخوف وفي هذا الكلام استعارة أخرى وهي الاستعارة المكنية حيث شبه الجوع والخوف بالمطعوم المر والبشيع في كونهما أمورا غير ملائمة ومدركة أما الجوع والخوف فمدركان بالعقل وأما المر والبشيع فبحس الذوق فهو من تشبيه العقليات بالحسيات كأن العقليات ظهرت ظهور المحسوسات فاستعير المحسوس للمعقول وأثبت ما للمحسوس وهو الإذاقة للمعقول قرينة للاستعارة فالاستعارة في الجوع والخوف استعارة بالكناية لأنه ذكر وترك المشبه به على خلاف ما في الاستعارة التصريحية وأما ايقاع الإذاقة على اللباس فهو على طريقة التجريد وهو في اصطلاحهم ذكر ما يلائم المشبه فإن الإذاقة لا تلائم اللباس لأن اللباس ليس من المذوقات بل هي تلائم الجوع والخوف لشيوع استعمالها في كل ما يمس الإنسان وهذا هو المراد بقوله وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له فإن المراد بالمستعار له المشبه الذي هو الجوع والخوف فيكون ذكر الإذاقة تجريدا كما في قوله غمر الرداء أي كثير العطاء غلقت أي استحقت رقاب المال لضحكته من غلق الرهن في يد المرتهن أي استحقه المرتهن والمعنى أيقن السائل أنه بذلك الضحك استغلق رقاب مال الممدوح وأنه يعطيها إياه استعار لفظ الرداء للعطية من حيث شبه العطية بالرداء ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه استعارة مصرحة ثم أثبت ما هو ملائم للمشبه وهو الغمر بإضافته إلى المشبه به على سبيل التجريد .
هامش
( 1 ) الأول مذهب الخطيب والثاني مذهب صاحب الكشاف وإنما لم يكن مانعا فيهما لأن لفظ المشبه باق فيهما على حال لم يستعر شيئا حتى يلزم من وقوع لفظ آخر موضعه الاستعارة من المستعير كما يلزم ذلك في مذهب السكاكي .