في البقيع والصحيح إنه بالظاء المعجمة لكن المراد إنه صار نزول هذه الآية سببا لإخلاص إسلامه وقوته لأنه أسلم أولا ولم يطمئن قلبه للإسلام حتى نزل هذه الآية كما ورد تفصيله في الآثار وكانت وصارت مآلهما واحد في مثله ولهذا قال الزمخشري وكانت والمصنف نظر إلى السببية بالفعل فقال وصارت ونظر صاحب الكشاف إلى أن سببيته ثابتة بالقوة لا انتقال فيه والانتقال من القوة إلى الفعل .
قوله : ( ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه إنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين ولعل إيرادها عقيب قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
[ النحل : 89 ] للتنبيه عليه ) للعالمين اختار كونها عاما للجميع كما صرح به فيما مر ولم يقل وبشرى للمسلمين لخصوصه مع ظهوره لكن تعرضه أولى وأعلم إنه قابل في النظم الكريم الأمر بالنهي وقدم الأمر لشرافته ولكونه وجوديا وإنه تعالى قابل ثلاثة بثلاثة والظاهر أن المصنف جعل الثلاثة الأخيرة متقابلة لا يدخل بعضها بعضها حيث جعل الأول مقتضى القوة الشهوانية والثاني مقتضى القوة الغضبية والثالث مقتضى القوة الوهمية وأما الثلاثة الأول فجعل الثاني داخلا في الأول كما هو الظاهر والثالث داخلا في الثاني قطعا ولو جعل الأول باعتبار القيد في كل منها بحيث لا يدخل بعضها بعضا لا يبعد ولو جعل الثلاثة الآخر بحيث يشمل بعضها بعضا أو كلها عبارة عن المعاصي كلها والعطف لتغاير العنوان لصح أيضا .
قوله : ( بالأمر والنهي والميز بين الخير والشر ) بالأمر أي المفيد للوجوب والنهي التي للحرمة ويحتمل أن يراد بالأمر المعنى المشترك بين الوجوب والندب وبالنهي المشترك بين لحلاوة وأن عليه لطلاوة وأن أعلاه لمثمر وأن أسفله لمغدق وما هو بكلام البشر بل هو كلام خالق القوى والقدر وفي الكشاف وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه أقيمت هذه الآية مقامها ولعمري أنها كانت فاحشة ومنكرا ضاعف اللّه لمن سنها غضبا ونكالا وخزيا إجابة لدعوة نبيه وعاد من عاده وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون ذكر صاحب الكامل في التاريخ كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز للخلافة فترك ذلك وكتب إلى العمال في الآفاق بتركه وكان سبب محبته عليا أنه قال كنت في المدينة أتعلم العلم وكنت الزم عبد اللّه بن عتيبة بن مسعود فبلغه عني شيء من ذلك فأتيته يوما وهو يصلي فأطال الصلاة فقعدت انتظر فراغه فلما فرغ التفت إلي وقال متى علمت أن اللّه تعالى غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم قلت لم أسمع بذلك قال فما الذي بلغني عنك في علي رضي اللّه عنه فقلت معذرة إلى اللّه وإليك وتركت ما كنت عليه وكان أبي إذا خطب ونال من علي يلجلج في كلامه فقلت يا أبت إنك تمضي في خطبتك وإذا أتيت إلى ذكر علي رضي اللّه عنه عرفت منك تقصيرا قال أو فطنت ذلك قلت نعم قال يا بني أن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم لتفرقوا عنا إلى أولاده فلما ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها فترك ذلك وكتب بتركه وقرأ عوضه
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] الآية فحل هذا الفعل عند الناس محلا عظيما وأكثروا مدحه .