التي بها تدفع النفس ما يضرها ويؤلم البدن فالممدوح منها الشجاعة وهو التوسط بين التهور الذي هو إفراط هذه القوة وهي المراد هنا فإن المراد بإثارة القوة الغضبية تحريكها لا على وجه الشرع الذي هو المنكر وتفريط هذه القوة الجبن وكلام المصنف ظاهره ليس بعام له ويمكن التعميم إليه بالتمحل .
قوله : ( والاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث ) والاستعلاء أي طلب العلو مع أنه ليس له علو في نفسه والاستيلاء أي طلب الولاية والغلبة على الناس أصل البغي الطلب ثم اختص بطلب التطاول في الظلم والعدوان قوله فإنها أي الأمور المذكورة من الاستعلاء في نفسه والاستيلاء على غيره بغير حق والتجبر أي الجبر والقهر الشيطنة أي فعل مثل فعل الشيطان في الخباثة التي هي مقتضى القوة الوهمية التي هي سلطان القوي فتارة تغلب الغضب وتحدث أمرا غير موافق للشرع كالاستكبار والترفع على الكبار والقتل بغير حق وسائر الإيذاء وتارة تغلب الشهوة فتورث النهب والسرقة والغصب وتارة تميل إلى الإفراط في باب الحكمة فتحدث الجربزة المذمومة فعلم من هذا البيان إن مقتضى القوة الوهمية إنما هي بفساد القوى الثلاث التي هي القوة الشهوانية البهيمة والقوة الغضبية السبعية والقوة العقلية وهي القوة التي بها يعقل النفس ما يحتاج إليه في تدبير البدن ويسمى قوة عقلية ملكية فوسطها الحكمة وإفراطها الجربزة وتفريطها البلاهة فعلم منه إن العدل عبارة عن أوساط هذه القوى الثلاث ونحوها وإفراطها وتفريطها منهي عنها ومنشأ ما ذكر في هذه الآية الكريمة من الفحشاء الخ وما ذكره من القوى الوهمية وهي القوة التي تدرك بها المعاني الجزئية في الأمور المحسوسة من القوى الباطنة وأكثر المتكلمين أنكروها فالأولى عدم التعرض لها والتعرض لإفراط القوة العقلية وتفريطها وهو الجربزة والبلاهة فيتم المقابلة بأحسنها إذ العدل شامل لفضائل هذه القوى الثلاث التي تحتاج النفس في تدبير البدن إليها وما نهى عنه إذا تناول ما هو إفراط هذه القوى وتفريطها كانت المقابلة في غاية من الحسن والبهاء قوله هذه القوى الثلاث باعتبار أن القوة الوهمية راجعة في المآل إلى القوى الثلاث التي ثالثها القوة العقلية كما عرفته فليتأمل حق التأمل .
قوله : ( ولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه عنه وهي أجمع آية في القرآن للخير والشر وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه ) صحابي معروف قيل إنه أول من دفن قوله : وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن عثمان بن مظعون قال ما أسلمت أولا إلا حياء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يتقرر الإيمان في قلبي فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال بينا أحدثك إذ جبريل نزل عن يميني فقال :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] إلى آخره فوقع الإيمان في قلبي وقال عند سماع هذه الآية واللّه أن فيها