قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 90 ]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 )
قوله : ( بالتوسط في الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك ) أي العدل التوسط بين الإفراط والتفريط فحاول المصنف بيان التوسط في الاعتقاد وفي القول وفي العمل وفي الأخلاق بحيث يظهر منه بيان الإفراط والتفريط في تلك الأمور فقال التوسط في الاعتقاد التوحيد أي اعتقاد أن للممكنات خالقا واجب الوجود وواحد لا شريك له وتفريط التعطيل أي نفي الصانع كما ذهب إليه الدهرية وهذا المعنى المناسب لمعنى التوحيد كما شرحناه لا لتعطيل الصانع عن الأفعال مع القول بوجوده كمذهب المعطلة ولا القول بنفي الصفات عنه تعالى وغير ذلك « 1 » فإنها غير مناسب لكون التوحيد بالمعنى الذي ذكرناه ولما لم يكن التوسط في سائر المعتقدات خص به تعالى وباعتقاده تعالى وفيه نظر فالأولى لما كان معظم المعتقدات هو الباري واعتقاده أساس سائر الاعتقادات خص به وإفراطه التشريك واعتقاد أن له شريكا .
قوله : ( والقول « 2 » بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر ) بالكسب وهو صرف العبد قدرته إلى الفعل عدل وطرف إفراطه وتفريطه الجبر المحض الذي ذهب إليه الجبرية من الفرق الضالة والقدر وهو إسناد فعل العبد إلى قدرة العبد فقط كما أن الجبر إسناد فعل العبد إلى قدرة اللّه تعالى فقط بلا قدرة من العبد وكلاهما باطل والقول بالكسب عدل .
قوله : ( وعملا ) عطفا على اعتقاد أو العدل الامتثال بأوامر اللّه تعالى والاجتناب عن المناهي وإليه أشار بقوله كالتعبد بأداء الواجبات أما الامتثال بأوامر اللّه تعالى فظاهر وأما الاجتناب عن المناهي فالتعبد بأداء الواجبات أيضا لأن ترك المنكرات فرض وواجب أيضا .
قوله : ( كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب ) الباطلة بفتح الباء بالهدى والرحمة هدى الجميع ورحمتهم ورد عليه أنه لم يهتد البعض ممن انزل إليه الكتاب فأجاب عنه بأن حرمان المحروم من تفريطه أي من تقصيره في العمل بما في المنزل إليه .
قوله : كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك فإن التعطيل نفي الصانع نعوذ باللّه من ذلك والتشريك الاعتقاد بالإلهة المتعددة والقول بالكسب فيجب أن يعتقد أن العبد يصدر عنه الفعل كسبا بواسطة داعية وقدرة يخلقها اللّه فإنه وسط بين الجبر والقدر وبين البطالة والترهب أي الرهبانية والبطالة ترك التكاليف الشرعية بالكلية والترهب الإعراض عن الدنيا بالكلية والاقبال على طاعة اللّه بشراشره وذلك يخل بأمر المعاش الذي يدور عليه نظام العالم وبه بقاء النوع .
هامش
( 1 ) من أن القول باثبات إمكان والأعضاء تشبيه والعدل اثبات صفات الكمال ونفي غيرها وأيضا نفي الصفات تعطيل واثبات الصفات الحادثة تشبيه والعدل اثبات الصفات .
( 2 ) عطف على قوله كالتوحيد ومن قبيل التوسط في الاعتقاد وهذا مع كثرته لا يعرف وجه تخصيصه بالقول بالكسب .