قوله : ( وإنما قابل تلك الصفات بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلها ) وإنما قابل تلك الصفات أي صفات الأبكم وهي أبكميته وعدم قدرته وثقله على غيره وعدم إتيان خير ما على ما هو الظاهر من النظم الكريم ومملوكية وعدم إيمانه وحرمانه عن الحق على ما يستفاد من إشارة النص بهذين الوصفين أي أمره بالعدل وكونه مستعليا ومتمكنا على الصراط القويم لأنهما كمال ما يقابلها والاكتفاء بالكمال من شعب البلاغة وأحسن المقال مع أن هذين الوصفين يتضمن كل منهما ما يقابلهما مع زيادة كما أومأنا في أثناء التحرير كما لا يخفى على النحرير .
قوله : ( وهذا تمثيل ثان ضربه اللّه تعالى لنفسه وللأصنام ) لزيادة الكشف والإيضاح وقد عرفت أن هذا التمثيل أقوى من الأول لما قيل إن المذكور في أحد الجانبين لا بد أن يكون له دخل في ما اعتبر في أحد الجانبين مما له مناسب في الجانب الآخر ففي هذا التمثيل ما اعتبر في أحد الجانبين وهو الرجل الأبكم مما له مناسب في الجانب الآخر من وجوه فإنه اعتبر فيه عدم الفهم والتفهيم وعدم القدرة على شيء أصلا وأنه ثقل على مولاه وأنه محروم عن الخير في نفسه ولغيره وكل ذلك متحقق في الأصنام وأما في الأول فاعتبر في أحد الجانبين عدم المالكية والتصرف في الأمور والأصنام كذلك لكن في الثاني اعتبر أمور كثيرة فشتان ما بين التمثيلين وما بين المسلكين فهذا أقوى ومن باب الترقي الأوفى .
قوله : ( لإبطال المشاركة بينه وبينها أو للمؤمن والكافر ) والاحتجاج المذكور جار هنا قوله إبطال فيه تنبيه على أن الاستفهام لإنكار الوقوع وللإبطال والتعبير بها أبلغ من التعبير بالهمزة قوله أو للمؤمن الخ وهو ضعيف كما عرفته من عدم ملائمته لما قبله بلا تمحل .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 77 ]
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 )
قوله : ( يختص به علمه لا يعلمه غيره وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوسا ولم يدل عليه محسوس ) يختص به علمه الاختصاص مستفاد من تقديم الخبر وما يستفاد منه اختصاص كينونة الغيب له تعالى فهو من قصر الموصوف وهو الغيب على الصفة وهي كينونته للّه تعالى وما ذكره المصنف حاصله فيكون قصر الصفة على الموصوف فاحفظ هذا فإنه كثير في كلام المصنف وضمير به راجع إليه تعالى وعلمه للغيب فالباء داخلة على المقصور عليه ولو عكس لعكس قوله علمه المضاف المحذوف ولم يدل عليه محسوس قال في سورة البقرة والمراد بالغيب الخفي الذي لا يدركه الحس ولا يقتضيه بديهة العقل انتهى . وهو أحسن مما ذكره هنا إلا أن يقال إن ما ذكر في سورة البقرة مطلق قوله : يختص به علمه معنى الاختصاص مستفاد من تقديم الخبر على المبتدأ فإنه مما يفيد الحصر والتخصيص .