قوله : ( وقيل هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق وتقييد العبد بالمملوك للتمييز من الحر فإنه أيضا عبد اللّه ) وقيل هو تمثيل الخ فالاحتجاج المذكور غير متحقق ح والتعبير بالاحتجاج وقوله كيف يضرب مثلا لنفسه الخ مبالغة في توهين القول الثاني لعدم انتظامه بما قبله بدون تمحل توضيحه شبه الكافر المخذول وأحواله من حبط عمله وصيرورته هباء منثورا أي شبه الهيئة المنتزعة عن هذه الأمور الكثيرة بالهيئة المأخوذة من العبد المملوك وعدم قدرته على شيء أصلا شرعا مع تحقق قدرته حسا فكأنها محبطة وعدم اعتبار أفعاله لو صدرت منه واتباعه هواه فذكر اللفظ المركب الدال على المشبه به وأريد المشبه وهو في غاية الحسن وسبب التمريض عدم ملائمته لما قبله .
قوله : ( وسلب القدرة للتمييز عن المكاتب والمأذون وجعله قسيما للمالك المتصرف يدل على أن المملوك لا يملك ) أي العبد المملوك لا يملك « 1 » شيئا حتى ما أكله ولبسه مال قوله : وسلب القدرة للتمييز عن المكاتب والمأذون هذا جواب ورود سؤال على قوله عز وجل :
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ النحل : 75 ] فإنه كالتكرار من حيث الظاهر للاستغناء عنه بقوله مملوكا قال صاحب الانتصاف مالك رحمه اللّه يرى أنه يملك والآية يعضده أي مملوكا ليس ممن ملكه سيده بل هو على أصل المملكة فلو لم يتصور له ملك لكان قوله :
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ النحل : 75 ] تكرارا وأما جعله احترازا من المكاتب يبعد من فصاحة القرآن إذ لو لم يملك من العبيد إلا مكاتب لكان إرادته باللفظ إيجازا مع اخلال لا يليق بالبلاغة وانكر إمام الحرمين حمل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم أيما امرأة نكحت بغير اذنها على المكاتبة لبعد القصد إليها على شذوذها وأما المأذون فيبتني على أن المراد بالقدرة الممكنة من التصرف أو الملك ويبعد الأول عن مطابقة قوله :
وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً
[ النحل : 75 ] ولقائل أن يقول قوله :
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ النحل : 75 ] صفة لازمة كالإيضاح لفائدة ضرب المثل به لأن حقيقته اللازمة له المعروفة به أنه لا يقدر على شيء ومنه ومن يدع مع اللّه آلها آخر لا برهان له به وكل مدعو مع اللّه لا برهان به إنما المراد أنه من لوازم دعائه مع اللّه لها ولنا أن نقول في دفعه أن الأصل في الصفة والحال التخصيص والتقييد وما ورد بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل وقال الإمام احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا فإن قالوا ظاهر الآية يدل على أن عبدا من العبيد لا يقدر شيئا فلم قلتم أن كل عبد كذلك فنقول الذي يدل عليه وجهان الأول أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم وكونه عبدا وصف مشعر بالذل والمقهورية وقوله :
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
[ النحل : 75 ] حكم مذكور عقيبه وهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هي كونه عبدا وبهذا الطريق ثبت العموم والثاني أنه تعالى قال بعده
وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً
[ النحل : 75 ] فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني والأول ولو ملك العبد كان اللّه قد اتاه رزقا حسنا لأن الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلا أو كثيرا .
هامش
( 1 ) وفيه إشارة إلى أن الملك يلزمه صحة التصرف بالذات وأن قوله لا يقدر على شيء بمنزلة صفة كاشفة أو صفة ذامة والقول بأن الصبي والمجنون لا يكونان متصرفين مع أنهما مالكان فلا يلزم من عدم التصرف عدم المالكية مدفوع بأنهما لا يتصرفان بالعرض .