مفرد في معنى الآلهة ) لا استطاعة لهم أصلا أي شيئا من الأشياء بناء على أنه نزل منزلة اللازم وهذا أبلغ في الذم وأوفق لقوله تعالى :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ
[ الفرقان : 55 ] فحينئذ يكون التعميم بعد التخصيص وجه التخصيص نفي ملك الرزق أو قدرته لأن أعظم المنافع الرزق وأكبر الضرر منع الرزق وانكشف منه أن المعنى ما لا يملك لهم رزقا ولا منعه لكن لدلالة ما ذكر عليه لم يذكر « 1 » .
قوله : ( ويجوز عود الضمير إلى الكفار أي ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون شيئا من ذلك ) عود الضمير إلى الكفار العابدين وفيه تفكيك الضمير ولا ضير فيه ولعله آخره لذلك مع أن فيه مبالغة وأيضا أنهم قادرون على الرزق بطريق السببية وقد تقدم أن رزق المماليك وصل إليهم بواسطة مواليهم وكذا الفقراء مع الأغنياء فيتوهم المناقشة ولذا آخره لكن المراد الاستطاعة خلقا لا سيما إذا كان المراد من الرزق المطر والنبات فإنهم لا يستطيعون أصلا قوله شيئا من ذلك أي شيئا حقيرا من ذلك الرزق أي أن مفعول لا يستطيعون شيئا كائنا من الرزق وفيه تنبيه على أن شيئا في حكم المتقدم على الرزق وإن كان مؤخرا إذ المتعارف كون الخاص بيانا للعام لا العكس وأن النظم كذلك حيث أريد بشيئا الرزق الحقير وهو أخص من مطلق الرزق لكن الأوضح اعتبار شيئا مقدما .
قوله : ( فكيف بالجماد ) أشار إلى أن ما فيما لا يملك عبارة عن الجماد وهو الأصنام .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 74 ]
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 )
قوله : (
فَلا تَضْرِبُوا
) الفاء للسببية لكون ما قبله سببا لما بعده أو للجزاء أي إذا كان الأمر كذلك فلا تضربوا .
قوله : ( فلا تجعلوا له مثلا تشركونه به أو تقيسونه عليه ) فلا تجعلوا له معنى فلا تضربوا لتضمنه معنى الجعل ولذا عدي إلى مفعولين وإنما أفرد مثلا مع أنه في النظم جمع إذ النهي عن ماهية المثل في ضمن فرد ما لا عن الأفراد فلام الأمثال للجنس فيضمحل قوله : لأن ما مفرد في معنى الآلهة فافرد ضميره في الأول باعتبار اللفظ وجمع في الثاني باعتبار المعنى .
قوله : فلا تجعلوا للّه مثلا تشركون به لما وصف المشركون بأنهم يعبدون الأصنام وهي جمادات لا تملك شيئا رتب على ذلك نهيهم عن الإشراك باللّه وهو المراد بضرب المثل وهو أن يشبه حال المشركين في إشراكهم الأصنام باللّه في الآلهية بحال ضارب المثل وهو المراد بقوله فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال فإن ضارب المثل مشبه حالا بحال فإن فيه تشبيه حال غير اللّه الذي هو أصنامهم بشأن اللّه تعالى في استحقاق العبادة فنهوا عن ضرب المثل وأريد نهيهم عن الإشراك .
هامش
( 1 ) فح يكون ولا يستطيعون ليس بداخل في صلة ما كما في الصورة الأولى بل يكون إخبارا عن المشركين بأنهم لا يستطيعون .