قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 73 ]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 )
قوله : ( من مطر ونبات ورزقا إن جعلته مصدرا فشيئا منصوب به وإلا فبدل منه ) من مطر ناظر إلى رزق السماوات ونبات رزق وإطلاق الرزق عليهما مجاز باعتبار السببية قوله فشيئا منصوب به لأن المصدر يعمل عمل الفعل لكن هذا لا يلائمه تفسير الرزق بالمطر والنبات وإلا أي وإن لم تجعله مصدرا بل جعلته بمعنى مرزوقا فلا يعمل فحينئذ يكون شيئا بدلا منه وهو الموافق للتفسير السابق والأول مجرد احتمال والفائدة في البدل إفادة تحقيره على أن تنوينه للتحقير فلا إشكال بأنه لا فائدة في البدل لظهور أن الرزق شيء والبدل إما للبيان أو للتأكيد ومن السماوات حينئذ متعلق بمحذوف صفة للرزق والتقييد بهما لأن الرزق منهما جميعا أو من كل منهما فلا مفهوم وإن كان الرزق مصدرا فمن السماوات صلته إذ المعنى أن يرزق من السماوات ومن ابتدائية .
قوله : ( أن يتملكوه ) قدر المفعول المحذوف التملك دون التمليك للمبالغة في التحقير حيث نفى أولا أن يملكوا الرزق ثم نفى أن يستطيعوا أن يتملكوه فيفهم منه عدم تملكهم بالفعل بالطريق الأولى ويعلم أيضا عدم قدرتهم على أن يملكوا الرزق لأنه لازم لعدم قدرتهم على التملك ولك أن تحمل صنعة الاحتباك « 1 » أو معنى ما لا يملك ما لا يقدر أن يملكوا ولو قدر المفعول المحذوف لا يستطيعون الملك بناء على أن المتبادر من قوله ما لا يملك لهم الملك بالفعل لصح لكن يفوت المبالغة .
قوله : ( أولا استطاعة لهم أصلا وجمع الضمير فيه وتوحيده في ما لا يملك لأن ما قوله : إن جعلته مصدرا يعني قد يجيء الرزق بمعنى المرزوق ويجيء بمعنى المصدر من رزق يرزق فإن كان مصدرا فشيئا منصوب برزقا بمعنى ترزيقا قليلا فكأنه قيل ما لا يملك لهم أن يرزق رزقا قليلا فشيئا بمعنى رزقا عبر به دلالة على معنى القلة وإن كان بمعنى مرزوقا فشيئا بدل منه فكأنه قيل لا يملك لكم مرزوقا قليلا .
قوله : أن يتملكوه أولا استطاعة لهم أصلا الوجه الأول على أن مفعول لا يستطيعون مراد ملحوظ والثاني على أن يجعل لا يستطيعون منزلا منزلة اللازم فالمراد نفي أصل الاستطاعة لا نفي تعلقها بمفعولها كما في الأول فالمراد من الوجه الأول نفي أن يكون لهم تملك شيء مطلقا فيدخل فيه نفي تملك الرزق أيضا ضمنا فيكون نفيا له بطريق برهاني مع إفادة الترقي من الأدنى إلى الأعلى ومع ما فيه من التأكيد نحو قوله تعالى :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] فيكون من باب التتميم والوجه الثاني من باب التذييل وفيه مبالغة أيضا .
هامش
( 1 ) إذ في الأول نفي الملك وفي الثاني نفي الاستطاعة فنفي القدرة معتبر في الأول ونفي الفعل معتبر بطريق الأولوية في الثاني .