قوله : ( فإن شككتم فيه فاسألوا أهل الذكر ) هذا بيان حاصل المعنى لا لتقدير الشرط بجعل افاسألوا أهل جواب له فإنه جواب للشرط المؤخر على مذهب الكوفيين أو دليلا للجواب على مختار البصريين فلا وجه لتقدير الشرط ويمكن أن يقال إن مراده أن الشرط المحذوف مع جوابه جواب للشرط المذكور مثل قوله إن تكملت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق .
قوله : ( أهل الكتاب ) أي الذكر بمعنى الكتاب لاشتماله الذكر .
قوله : ( أو علماء الأحبار ليعلموكم ) فالذكر بمعنى الذاكر والحافظ على أن الإضافة بيانية أو الذكر بمعنى الحفظ وهو الذكر القلبي .
قوله : ( وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا صبيا للدعوة العامة ) وجه الدلالة للحصر النافي ارسال غير الرجال وما قيل إن حوا ومريم وآسية وسارة وهاجر ويوخابذ أم موسى يوحى إليها بالنبوة فقول ردي مخالف للنص قوله ولا صبيا ولا يرد الاشكال بنبوة عيسى عليه السّلام في المهد لأنه مختلف فيه مع أن المختار عند المصنف عند التعبير بالماضي إما باعتبار ما سبق في قضائه أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع كذا بينه ثم قال وقيل أكمل عقله واستنبأ طفلا انتهى وكلامه هنا بناء على القول الأصح المختار عنده توهينا للقول الآخر وأما ما قيل ولا ينافيه نبوة عيسى عليه السّلام إذ الرسالة أخص فضعيف أما أولا فلأن الإرسال هنا شامل لجميع الأنبياء « 1 » عليهم السّلام مثل قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ
[ الفرقان : 20 ] الآية وله نظائر كثيرة وأما ثانيا فلأن من ادعاء نبوته ادعاء رسالته لقوله تعالى :
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
[ مريم : 30 ] والمراد بالكتاب الإنجيل فكما عبر بالماضي في قوله :
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
[ مريم : 30 ] عبر بالماضي في قوله :
آتانِيَ الْكِتابَ
[ مريم : 30 ] فلا فرق بينهما في الدلالة على الوقوع فلا جرم أن الماضي في الموضعين مأول بأحد ما ذكر فتأمل واللّه الموفق .
قوله : ( وأما قوله تعالى :
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
[ فاطر : 1 ] فمعناه إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال ) إلى الملائكة والكلام في البعثة إلى البشر أو إلى الأنبياء فحينئذ لا يكون بعثهم للدعوة العامة أو يكون إرسالهم للتبليغ لا للدعوة فالرسول على الأول على معناه المصطلح وعلى قوله : فإن شككتم إشارة إلى أن فاء فسألوا جواب شرط محذوف .
هامش
( 1 ) لأنه لم يرسل رسولا بالمعنى الأخص إلا رجالا كذلك لم يرسل نبيا إلا رجالا ودليله مثل هذه الآية وإلا فمن أين يعلم ذلك وعموم المرسل إلى النبي شائع استعماله في النظم الجليل قال تعالى :كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَكذبت قوم عاد المرسلين كذبت ثمود المرسلين وهم بمعنى الأنبياء .