الغيبة فمرجع الضمير الغائب هم المشركون والنكتة في الالتفات الإعراض عن مخاطبتهم حين حكى إشراكهم فإنه شنيع يوجب الإعراض عن خطابهم فحكى للنبي عليه السّلام وللمؤمنين ليستعجبوا منه وتلوين الخطاب يطلق على الالتفات المذكور « 1 » كما يطلق على صرف الخطاب من مخاطب إلى مخاطب آخر كما هو المتعارف فيه .
قوله : ( أو على أن الخطاب للمؤمنين ) أي في قوله :
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
[ النحل : 1 ] للمؤمنين وهذا احتمال آخر فقوله فيما مر كانوا يستعجلون ما أوعدهم الخ . مخصوص بكون الخطاب للمشركين فعلى كون الخطاب للمؤمنين لا تلوين حينئذ ولا التفات لأن فاعل لا تستعجلوه جماعة المسلمين وفاعل يشركون جماعة المشركين .
قوله : ( أو لهم ولغيرهم من المشركين ) أي خطاب فلا تستعجلوه عام لهم ولغيرهم فح لا التفات أيضا ولا تلوين لأنه لا يتحد فاعل الضمير فإن فاعل الأول عام والثاني خاص بالمشركين والخاص غير العام وعلى قراءة تشركون بالتاء فيه تلوين الخطاب من مخاطبين وهم المؤمنون إلى مخاطبين آخرين وهم المشركون وكذا الكلام على كون الخطاب عاما في فلا تستعجلوه لما عرفت من أن العام يغاير الخاص ومن ذهب في ذلك إلى التغليب اختار خلاف مذاق اللبيب .
قوله : ( لما روي أنه نزلت
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] فوثب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
[ النحل : 1 ] ) لم يرض به الفاضل المحشي حيث قال ليس في هذه الرواية استعجال المؤمنين وفي حد ذاته لا يوصف به المؤمنون وتصدى البعض لجوابه فقال مبنى الاعتراض على إرادة حقيقة الاستعجال ولعل المراد أيضا تنزيل اضطرابهم وتهيأهم للساعة منزلة حقيقة الاستعجال وهذا أن ثبت نسبة الآية الاستعجال إليهم فهو ليس بثابت في الرواية والنظم مسلوب عنهم قال تعالى :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
[ الشورى : 18 ] الآية والخائف من الشيء لا قوله : أو على أن الخطاب للمؤمنين أي أو على أن الخطاب في فلا تستعجلوه للمؤمنين وسبق الخطاب الثاني على مساق الأول وبقي أنه إن كان الخطاب للمؤمنين فما معنى اشراكهم وهم موحدون اللهم إلا أن يراد بالشرك الرياء في العمل فإنه شرك خفي ومع ذلك لا يظهر حينئذ ارتباط هذه الآية من حيث المعنى بما قبلها قال الراغب العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه وهي من مقتضى الشهوة فلذلك صارت مذمومة في عامة التنزيل قيل العجلة من الشيطان وقوله تعالى حكاية
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
[ طه : 84 ] فذكر أن عجلته وإن كانت مذمومة فالذي دعا إليها أمر محمود وهو طلب رضي اللّه وقوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
[ الأنبياء : 37 ] قال بعضهم من حمأ وليس بشيء بل ذلك تنبيه على أنه لا يتعدى من ذلك وأن ذلك إحدى القوى التي ركب عليها وعلى ذلك قال
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
[ الإسراء : 11 ] .
هامش
( 1 ) فإنه تغيير لأسلوب الكلام بنقله من إحدى الصبغ المذكورة إلى الأخرى .