تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
يستعجل بوقوعه وإن انتظر إلى وقوعه وإلى هذا أشار المحشي بقوله بل الظاهر أنهم لما سمعوا أول الآية اضطربوا يظن أنه وقع ثم لما سمعوا خطاب الكفار بقوله :
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
[ النحل : 1 ] اطمأنوا فلا ينسب الاستعجال إليهم أصلا حتى يتصدى إلى توجيهه وحمل ذلك الفاضل الآية الكريمة على صنعة الاحتباك فقال ذكر الاستعجال دليل على حذف ضده والإشفاق دليل على حذف ضده أي لا يستعجلون بها . قوله تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 2 ]

يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 ) قوله : ( ينزل الملائكة ) الظاهر « 1 » أن الجمع للتعظيم مثل قوله تعالى :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
[ آل عمران : 39 ] فإن المراد جبريل هنا وهناك . قوله : ( بالوحي أو القرآن ) الباء للملابسة حال من الملائكة أي ينزل الملائكة ملابسين به وكذا الكلام إذا جعل بمعنى مع فيفيد كون الروح متبوعا أو القرآن فالوحي خاص ح بالقرآن وفي الأول عام له وللوحي الغير المتلو « 2 » قيل فعلى الاحتمال الأخير صيغة الجمع في أنذروا للتعظيم . قوله : ( فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل ) أي الروح استعارة مصرحة تحقيقية عن أحدهما قوله فإنه يحيي به بيان وجه الشبه لكن الحياة في المشبه به حسي وفي المشبه عقلي والجامع مطلق الحياة ويتضمن هذا التشبيه تشبيه العلم والهدى الحاصلين بالوحي بالحياة في الأول ليصح جعله روحا ولو ادعائيا وتشبيه الروح بحيوان ذي جسد وروح في البقاء به في الثاني ففيه استعارة مكنية قرينتها استعارة تحقيقية كما حقق ذلك صاحب قوله : فإنه يحيي به القلوب شبه الوحي تارة بالروح لما فيه من حياة الروح الميتة بالجهل وأخرى بها أيضا لما يتزين به الدين كما يتزين الجسد بالروح ثم أقيم المشبه به مقام المشبه فصار استعارة تحقيقية مصرحة والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة إبدال أن انذروا من الروح قيل قوله عز وجل :
مِنْ أَمْرِهِ
[ النحل : 2 ] يخرج الاستعارة إلى التشبيه كما في قوله تعالى :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[ البقرة : 187 ] فإن الفجر إخراج الخيط الأبيض من أين يكون استعارة إلى التشبيه على ما مر في موضعه وقد أجيب عنه بأن بينهما فرقا فإن مدخول من ههنا أمر عام تناول للمشبه وغيره وليس كذلك مدخول من في من الفجر ويمكن أن يدفع هذا الجواب بأن الأمر في من أمره وإن كان عاما بحسب الوضع والمفهوم لكنه عبارة عن الوحي ههنا بناء على أن من للبيان .
هامش
( 1 ) وإنما قال الظاهر لأن ابن كمال باشا قال هناك كان النداء من جبريل عليه السّلام وإنما ذكره جمعا لأنه إذا نزل لأمر خارق كان معه جماعة من الملائكة تعظيما لذلك الأمر والظاهر أن الوحي من الأمور الخارقة للعادة ومختار المصنف هناك ما ذكرناه . ( 2 ) أو عام لوحي غير نبينا عليه السّلام .