قوله : ( إذا بلغ ) فالعليم مجاز أولى حمله على ذلك لأن كمال العقل والادراك حين البلوغ وإلا فأصل الادراك حاصل قبله وقد فسر عليم بنبي وهو مقيد أيضا إذا بلغ أشده ولعله لم يتعرض له إذ صيغة المبالغة لا يلائمه أو لأنه يؤدي إلى ارتكاب المجاز مرتين .
قوله تعالى :
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 54 ]
قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ( 54 )
قوله : ( أبشرتموني ) استئناف كأنه قيل فماذا قال عليه السّلام في مقابلته ولذا اختير الفصل وفي سورة هود حكى استعجاب امرأته عليه السّلام دون استعجابه عليه السّلام وهنا عكس ذلك اختصارا لعله عليه السّلام استعجب أولا ثم استعجب امرأته ثانيا ويحتمل العكس فأجاب الملائكة كلا منهما بما يناسبه .
قوله : ( تعجب من أن يولد له ) أشار إلى أن الاستفهام للتعجب بطريق ذكر اسم السبب وإرادة المسبب إذ الاستفهام سبب في الجملة لإدراك الأمر الغريب .
قوله : ( مع مس الكبر إياه ) فيه تنبيه على أن على هنا بمعنى مع ووجه حسنه بالتعبير عنه بها أن الكبر استعلى عليه كاستعلاء الراكب على المركوب ولك أن تقول إن مراد المصنف الإشارة إلى أن الكلام استعارة تمثيلية وما ذكره حاصل المعنى .
قوله : ( وإنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة وكذلك قوله :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
[ الحجر : 54 ] ) وما فهم منه أن الاستفهام للانكار الوقوعي وقد نبه أولا على أنه للتعجب المؤدي إلى الانكار غالبا وكثيرا ما ذكرهما المصنف وتأويله ما ذكرناه .
قوله : ( أي فبأي أعجوبة تبشروني أو فبأي شيء تبشروني فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء ) قيل الأول على أن الاستفهام للتعجب وقوله : فبأي شيء الخ على أن الاستفهام للانكار انتهى الظاهر أنه حمل قوله للتعجب وانكار على أن كلا منهما معنى للاستفهام مجازي فح يكون الواو في قوله وانكار بمعنى أو الفاصلة والأحسن ما أشرنا إليه بقول الكشاف أي أن الولادة أمر عجيب مستنكر في العادة مع الكبر يؤيد ما ذكرناه وقوعه عادة أي لا بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى بشارة بغير شيء أي البشارة لم يكن .
قوله : ( وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة في كل القرآن على ادغام نون الجمع في نون الوقاية ) قيل فيه سهو فإنه لم يقع تبشرون في غير هذه الآية .
قوله : ( وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين ودلالة بابقاء نون الوقاية على الياء ) كأنه اختاره لأنه مذهب سيبويه وصاحب الكشاف اختاره أيضا لأنها هي القابلة للحذف بالجزم والنصب وأيضا لا معنى لها وأما نون الوقاية فحذفها يؤدي إلى حذف حرفين النون وياء المتكلم وذهب أبو علي في الحجة إلى أن المحذوف نون الوقاية لحصول الثقل بها وكسر نون الرفع ليدل على ياء المتكلم انتهى ففي حذفه عملان حذف نون الوقاية وكسر نون الجمع وفي حذف نون الجمع عمل واحد فهو راجح وفي كلام المصنف إشارة إلى رجحانه في قوله ودلالة بابقاء الخ لأن قوله استثقالا