تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
قوله : ( وأشياء اسم جمع ) لا جمع شيء إذ لفظة فعل لا يجمع على فعلاء وإنما يجمع على أفعل في القلة كبحر وابحر وعلى فعول في الكثرة كقلب وقلوب . [ المائدة : 101 ] ليس نهيا عن السؤال مطلقا بل عن أشياء
إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
[ المائدة : 101 ] ولذا جعل المصنف الشرطيتين صفة أشياء فالمنهي هي الأشياء التي شأنها عند الظهور أنها تسؤوهم وهي التكاليف الصعبة فكان حاصل الكلام أنهم إن يسألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن يسألوا عنها ظهر لهم ما يسؤوهم ولا يسرهم وقيل في تأويل الآية أن السؤال على قسمين أحدهما السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه فهذا السؤال منهي عنه لقوله لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤوكم والنوع الثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فههنا يجب السؤال وهو المراد بقوله وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن
تُبْدَ لَكُمْ
[ المائدة : 101 ] والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع من السؤال في الآية الأولى أوهم ذلك أن جميع أنواع السؤال ممنوعة فذكر هذا تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم . قوله : وأشياء اسم جمع إنما لم نجعله جمع شيء لأنه لو كان جمع شيء لما منع لأن الهمزة في آخر شيء أصلية لأن الشيء في الأصل مصدر شاء يشاء فهو مصدر فعل هو مهموز اللام فعلى هذا لا تكون الهمزة في آخره للتأنيث بل هي من نفس الكلمة بمنزلة التاء في بيت فكما أن أبيات منصرف كذلك الأشياء يكون على ذلك التقدير منصرفا فلما استعمل غير منصرف يجب أن يصار إلى القلب بأن نقل لامه إلى موضع فائه وفاؤه إلى موضع عينه فجعل الشيء ثم الحق بآخره ألفا تأنيث فصار أشياء على وزن لفعاء في فعل فأشياء مفردا للفظ ومجموع المعنى وهذا هو معنى قوله اسم جمع قوله فخفف أي على أن أصله أشياء على وزن أصدقاء ثم خفف بأن حذفت همزته الأولى بعد نقل فتحتها إلى الياء قبلها فصار أشياء قوله : فاتركوني ما تركتكم أي فاتركوني وقت تركي إياكم فما للوقت أو هو ما المصدرية والوقت المقدر مضافا إلى الترك قوله أو استئناف عطف على صفة فهو على الاستئناف يكون جوابا لما عسى يسأل ويقال ما حالنا في ما مصدر عنا من السؤال فيما سلف فأجيب بقوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْها
[ المائدة : 101 ] قوله ولا تعودوا إلى مثلها معناه مستفاد من قوله :
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
[ المائدة : 101 ] أي قد عفا اللّه عما سلف من مسألتكم فالآن نهيتهم عنها فلا تسألوا ولا تعودوا إلى مثلها وإنما لم يقل ولا تعودوا إليها لأن السؤال يكون بالألفاظ واللفظ عرض منصرف غير قار الذات فاللفظ الآخر غير اللفظ الأول وإن تكرر ألف مرة ويجوز أن يراد إلى مثلها في كونها شيئا يغم السائل ولا يسر وقالوا في اتصال هذه الآية وهي قوله عز وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
[ المائدة : 101 ] الآية بما قبلها أنه تعالى لما قال :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
[ المائدة : 99 ] صار التقدير كأنه قال ما بلغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين له وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل ويشق عليكم وأقول يمكن أن يراد بالسؤال المنهي ههنا السؤال عن سر القدر فإن المقدر في علم اللّه تعالى لبعض الناس ربما يكون مما يغمه كختمه على الشقاء نعوذ باللّه وكونه جهنميا فنهى ذلك بقوله :
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
[ المائدة : 101 ] ومن هذا إن بعض الكمل من أهل اللّه قال إن اللّه تعالى أخفى سر القدر عن الأنبياء لئلا يقع منهم