يفيد الخبر ما لا يفيده الضمير لكن هذا إنما يتم لو لم يفده ألف كانتا وقد صرح الأئمة بأن الضمير إنما يدل على الذات دون الصفات فالأولى أن يقال هذا من قبيل قوله :
إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
[ النحل : 51 ] .
قوله : ( وإن كانوا إخوة ) الكلام فيه كالكلام في فإن كانتا أي الضمير لمن يرث بالإخوة وجمعه محمول على المعنى أو باعتبار كون الخبر جمعا وفائدة الإخبار مثل ما مر آنفا .
قوله : ( أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر ) أصله من غير اعتبار التغليب فغلب المذكر على الأنثى فعبر عنهما بما وضع للمذكر ثم بين بقوله :
رِجالًا وَنِساءً
[ النساء : 176 ] فلو لا التغليب لما ساغ هذا التفصيل وأنت خبير بأن هذا الكلام عام لصورة كونهم رجلا وأنثيين أو أنثى ورجلين .
قوله : ( أي يبين لكم ضلالكم الذي من شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه ) أي أن تضلوا مفعول يبين والضلال وإن لم يبين صريحا لكنه مبين مفهوما واختاره لأن طبيعة الإنسان مجبولة على حب الشر والضلال إلا من عصمه اللّه تعالى فاعتباره في البيان ولو مفهوما أهم ولأنه حينئذ لا يحتاج إلى حذف وتقدير .
قوله : ( أو يبين لكم الحق والصواب كراهة أن تضلوا ) أي تضلوا علة بتقدير كراهة كما هو رأي البصريين في مثل ذلك صرح به المبرد .
قوله : ( وقيل لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات ) وقيل لئلا تضلوا أي علة وعليته بتقدير لا وحذفه مع لام التعليل ولم يرض به المصنف لأن حذف لا قليل بالنسبة إلى تقدير المضاف .
قوله : ( عن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على قوله : أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر يعني قوله :
رِجالًا وَنِساءً
[ النساء : 176 ] تفصيله لإخوة بدلا عنها والإخوة بحسب الظاهر لا يتناول النساء فلا بد أن يصار في لفظ الأخوة إلى التغليب فكأنه قيل وإن كانوا إخوة وأخوات رجالا ونساء .
قوله : فحذف لا يعني حذف لا ثم حذفت اللام من أن فصار أن تضلوا هذا قول الكوفيين قال البصريون المضاف محذوف بتقدير كراهة أن تضلوا قوله فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات أشار بالفاء في قوله فهو عالم بمصالح العباد إلى أن قوله عز وجل :
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ النساء : 176 ] إثبات لعلمه تعالى بمصالح العباد بالبينة فإنه تعالى إذا كان عالما بكل شيء يكون لا محالة عالما بالمصالح الراجعة إلى العباد لدخولها تحت كل شيء قال الإمام اعلم أن في هذه السورة لطيفة عجيبة وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة اللّه فإنه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
[ النساء : 1 ] وهذا دال على سعة القدرة وأخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله :
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ النساء : 176 ] وهذان الوصفان بهما