الذرة باعتبار ثقل عقوبته فاندفع الإشكال بأنه كيف يليق أن يضاف إلى الذرة المثقال المأخوذ من الثقل لما بين سبحانه وتعالى أنه لا ينقص من الأجر أراد بيان تفضله على عباده فقال :
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
[ النساء : 40 ] صيغة المفاعلة للمبالغة لا للمغالبة .
قوله : ( وإن يكن مثقال الذرة حسنة أنث الضمير لتأنيث الخبر أو لإضافة المثقال إلى مؤنث ) يعني إن كان ناقصة اسمه مستتر راجع إلى المثقال ثم كونه راجعا إلى المثقال مع قطع النظر عن كونه صفة لشيء عبارة عن الظلم .
قوله : ( وحذف النون من غير قياس تشبيها بحروف العلة ) تخفيفا حذف النون وجه مشابهة النون بها غلتها وسكونها من حروف الزيادة وعدم عود الواو المحذوفة إذ النون الساكنة المحذوفة في حكم الملفوظ ( وقرأ ابن كثير ونافع حسنة بالرفع على كان التامة ) .
قوله : ( يضاعف ثوابها ) بتقدير المضاف وإرادة الثواب بالحسنة مجازا وإن صح لكنه أعيد .
قوله : يضاعف ثوابها قال صاحب الكشاف يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية ثم قال والمراد الكثرة لا التحديد يريد أن لا بد من المضاعفة لأن الحسنة إذا جوزيت بمثلها انقطعت ويلزم من انقطاعها انقطاع زمانها وإذا ضوعفت أديمت فيدوم الزمان بحسب دوام المضاعفة إلى ما لا نهاية له ولهذا قال المراد الكثرة لا التحديد قال الإمام إن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال بل المراد أنه تعالى يضاعف بحسب المقدار مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءا وثلثين وأزيد قال بعض الفضلاء من شراح الكشاف إن مراد صاحب الكشاف أن الحسنة إنما يضاعف ثوابها لأنه يستحق بتلك الحسنة ثوابا وهو دائم في الأوقات الغير المتناهية فلو لم يضاعف الثواب لانقطع ولا يدوم والحاصل أن الحسنة يضاعف ثوابها بحسب الزمان لا بحسب المقدار فإن الثواب المستحق لا يقبل الزيادة ثم قال حمل صاحب الكشاف قوله تعالى يضاعفها على الاستحقاق لأن التفضل يجيء في قوله :
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
[ النساء : 40 ] وحينئذ لا يجوز أن يراد المضاعفة بحسب المقدار وأما المدة فعدم تناهيها هو الذي أوجب مضاعفة الثواب أقول وبهذا خرج الجواب عن قول الإمام بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار لا بحسب المدة لأن المعنى يضاعفها في المدة الغير المتناهية أي لا يقطعها في وقت منها لأن المعنى يضاعف مدتها حتى يقال تضعيف ما لا نهاية له محال والحاصل أن معنى تضعيف الأجر المستحق بالعمل هو إعطاء مثله واحدا بعد واحد إلى أبد الدهر لا إعطاء الزائد على الأجر المستحق لأن ذلك الزائد من قبيل المتفضل به المدلول عليه بقوله :
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
[ النساء : 40 ] والأجر المتفضل به هو الإعطاء الزائد على الأجر المستحق وما ذكر من معنى تضعيف الأجر المستحق على العمل هو مراد ذلك الفاضل ولكن هذا يخالف ما ذكره الإمام من تضعيف الأجر ويخالف أيضا مضمون الآية القائلة
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
[ الأنعام : 160 ] ويوافقها قول الإمام وأقول يجوز أن يكون قوله عز وجل :
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
[ النساء : 40 ] بيانا ليضاعفها وأرادا على طريقة عطف التفسير على معنى