وإظهاره إما بالقول أو بالفعل
أَوْ تُخْفُوهُ
[ البقرة : 284 ] وما في الأنفس مختفي فإخفاؤه كناية عن عدم الاظهار لأنه لازم له إذ حقيقة الاخفاء مشكل هنا والمراد بالأنفس هنا القلوب وبما فيها ما وقع فيها من نية خير والعزم عليه والسوء أيضا والعزم عليه وإنما اكتفى المص بالأخير لأن قوله تعالى :
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 284 ] الآية يقتضي ذلك إذ المغفرة والتعذيب من شأن السوء والعزم عليه قوله لترتب « 1 » المغفرة الخ إشارة إلى وجه تخصيص السوء وأيضا تخصيص العزم معلل بذلك لأن مجرد ما خطر بالبال لا يعد ذنبا بدون العزم عليه حتى يغفر أو يعذب قال في تفسير قوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
[ يوسف : 24 ] الآية والمراد بهمه ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف ولهذه المسألة تفصيل في كتاب الإحياء والمختار ما ذكر هنا من استحقاق المؤاخذة من عزم على المعصية وصمم عليها ولم يعمل بها وعدم المؤاخذة بمجرد خطورها وميل الطبع إليها كما نطق به الآيات والأخبار وهو المختار عند الأبرار « 2 » ومن كف عن المعصية عند قيام هذا العزم المصمم إن تمكن من فعلها وكف عن تلك المعصية خوفا من اللّه تعالى يستحق المدح الجميل والأجر الجزيل وإلا فلا .
قوله : ( يوم القيامة وهو حجة على منكري الحساب كالمعتزلة والروافض ) فإن هذه الآية تدل على الحساب بحسب الظاهر والنصوص تحمل على ظواهرها حسب ما أمكن ولا ريب في إمكانه فيجب الحمل عليه فلا يضرنا تأويلهم بما يخالف الظاهر بلا داع وموجب يوجبه .
قوله : ( مغفرته تعذيبه وهو صريح في نفي وجوب التعذيب ) لتعلقه بالمشية وما هو واجب لا يتعلق به المشية وأما أن تلك المشية واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب فاحتمال ضعيف وإنه خلاف الظاهر ولم يذهب إليه أحد وأيضا لو وجب مشية التعذيب لا مساغ لمشية المغفرة بناء على زعمهم ويلزم منه أمر عظيم لم يتجاسر عليه لئيم فضلا عن كريم وإنما قدم المغفرة لأن رحمته سبقت على غضبه وتقديم التعذيب في سورة المائدة سيجيء وجهه .
قوله : فهو صريح في نفي وجوب التعذيب هذا المعنى مستفاد من تعليق المغفرة والتعذيب بالمشية وهو ظاهر .
هامش
( 1 ) إشارة إلى معنى الفاء .
( 2 ) قيل ذهب بعض العلماء إلى فرق العزم المصمم الاختياري للمعصية وتفصيله منهم صاحب الخلاصة وقاضيخان وقالوا يأثم صاحب العزم المصمم وعدم إثم صاحب ما ليس بمصمم وهذا هو الوسط بين التضييق وهو الإثم مطلقا كما اختاره حجة الإسلام والتوسيع وهو عدمه مطلقا بشرط عدم ظهور أثره أصلا وهو مختار الشيخ أكمل الدين انتهى ويلزم على حجة الإسلام النقض بقصة يوسف عليه السّلام فإن همه عليه السّلام ليس معدودا من الإثم ويرد على أكمل الدين ومن يتبعه أن هذه الآية ونحوه وكذا حديث إذا هم المعصية الخ يدل على المؤاخذة على العزم المصمم فالقول الأول هو الصواب المعول .