لحرب بن مخفض وجه الاستشهاد أن ضمير دماءهم مع كونه جمعا راجع إلى الذي وهذا التشبيه مفرق فالمنافق كالحجر في عدم الانتفاع وإنفاقه كالتراب لرجاء النفع في الإنفاق بالأجر وفي التراب بالإنبات وغير ذلك ورده كالوابل المذهب له سريعا لضار من حيث يظن النفع هذا إذا حمل التشبيه على تشبيه مفرد من أحد المركبين بمفرد من المركب الآخر وهكذا إلى تمامها ويجوز تشبيه المركب بالمركب بلا نظر إلى المفردات .
قوله : ( إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأن الرياء والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمن أن يجتنب عنها ) إلى الخير والرشاد لكفرهم ولما لم يكن مساس هذا الكلام بهذا المقام ظاهرا أشار إليه المص بقوله وفيه تعريض بأن الرياء والمن الخ فإن المقام مقام الإضمار ولما وضع المظهر موضع الضمير الراجع إلى من ذكر فهم منه أنه من صفة الكفار والإتيان باسم اللّه وتقديمه على الخبر الفعلي والنفي بالسلب الكلي يؤكد مضمون الكلام فيكون جملة تذييلية مقررة لمضمون ما قبلها ولا بد أن يحترز عنه المؤمنون حتى لا يكونوا على صفة الكافرين بل يخاف أن يجرهم إلى الكفر من حيث لا يحتسبون .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 265 ]
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 )
قوله :
( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ )
[ البقرة : 265 ] شروع في بيان حال أضداد المرائين إثر بيان قصتهم تنشيطا للسامعين كما أن العرض من بيان حال المرائين تنشيط العاقلين أموالهم ابتغاء مرضات اللّه لا يخطر ببالهم الأجر والثواب فضلا عن الرياء والسمعة وحب الثناء .
قوله : ( وتثبيتا بعض أنفسهم على الإيمان ) يعني أن من تبعيضية ومفعول به للتثبيت المنبىء عن الكثرة بحسب الإفراد وهو كما يقال الرجل الطوال والدينار الصفر الدرهم البيض .
قوله : وفيه تعريض الخ معنى التعريض بالمعنى الذي ذكره مستفاد من وضع المظهر الذي هو لفظ الكافرين موضع ضميرهم تغليظا لأمر الرياء والمن والأذى وإن كان فاعل هذه الأمور مؤمنا ثابت القلب على التصديق بما يجب أن يصدق به .
قوله : بعض أنفسهم هذا على أن من للتبعيض فيكون من أنفسهم أيضا على أنه مفعول
تَثْبِيتاً
[ النساء : 66 ] وقوله أو تصديقا للإسلام أو تحقيقا للجزاء مبتدأ من أصل أنفسهم أي من قبلهم لا من مجرد أفواههم خاليا عن مواطأة قلوبهم مبني على أن يكون من لابتداء الغاية ومفعول تثبيتا محذوف وهو الإسلام والجزاء أي تثبيتا للإسلام في قلوبهم وتحقيقا للجزاء بأشياء من أنفسهم قال بعضهم التثبيت في الوجه الأول من الثبات وفي الأخير من الثبوت وليس بشيء لأن الثبات والثبوت كلاهما مصدر ذكره الجوهري قيل إن النفس تعلق في موضع العبودية إلا إذا قهرت بالمجاهدة وبحب الحياة والمال فإذا كلفت إنفاق المال قهرت من بعض الوجوه وإذا كلفت الجهاد قهرت كذلك وإذا كلفت بهما قهرت من جميع الوجوه فمن بذل ماله ابتغاء مرضاة اللّه فقد ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها .