بالنكرة في المتعاطفين لاختصاصها بالصفة المذكورة في المعطوف عليه والمقدرة في المعطوف كما أشرنا إليه أو في المعطوف عليه ولم يتعرض للمعطوف لأنه تابع لا يحتاج إلى مسوغ وفي الاصطلاح ليس مبتدأ لكنه في المعنى مبتدأ ولذا قال خبر عنهما وإلا فالخبر للمعطوف عليه نظرا إلى الاصطلاح .
قوله : ( عن إنفاق بمن وإيذاء ) لأنه تعالى يرزق من عباده من حيث لا يحتسب وإيذاء مصدر آذاه من باب الأفعال .
قوله : ( عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة ) مفاعلة من العجلة للمبالغة لا للمغالبة قوله بالعقوبة متعلق بالمعاجلة والجملة تذييل لما قبلها مشتمل على سخط عظيم مقررة لترك المن والأذى حين الإنفاق ومؤكدة لخيرية قول جميل حين رد السائل .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 264 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 264 )
قوله : ( لا تحبطوا أجرها ) أشار إلى أن المضاف مقدر في النظم الكريم وهو الأجر والثواب إذ العمل لا يبطل بنفسه بعد تحققه بل الباطل ثوابه وأجره فالكلام محمول على المجاز في الحذف أو المجاز في الإيقاع والأول اختاره المص ولعل معنى الإحباط هنا بالمن والأذى النقصان لا الإبطال بالكلية لكن عبر عن إبطال كمال الأجر بمطلق الإبطال تغليظا وتهديدا ومبالغة في الزجر لأن الدليل يدل على أن الأعمال الصالحة لا تحبط بالمعاصي « 1 » سوى الكفر .
قوله : ( بكل واحد منهما ) أي إن المعنى على السلب الكلي لا رفع الإيجاب الكلي إذ يلاحظ النهي أولا ثم يعطف ولو عكس لعكس الأمر .
وذلك لأنه تعالى بين أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة وأجاب عنه أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الإنفاق من أن يكون فيه أجر وثواب أصلا من حيث إنهما دالان على أنه إنما أنفق لكن بمن ولم ينفق لطلب رضوان اللّه ولا على وجه القربة والعبادة فلا جرم بطل الأجر أقول الحاصل من الجواب أن الإحباط إنما يكون إذا كان العمل مما صح عليه الأجر وههنا ليس كذلك لأن الأعمال بالنيات وفي نية هذا العامل حصول المن المنفق عليه لا ثواب الآخرة والخلاف إنما هو في عمل صحيح مقرون بإخلاص النية وبقي الكلام في الأذى خاليا عن الجواب وتمام التحقيق في التفسير الكبير للإمام .
هامش
( 1 ) والمذهب أن صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان فضلا عن دخوله في الكفر والطغيان فلا يحبط أعماله بالفسق والعصيان .