تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
معنى مجازي للحياة كما ذكرناه وفهمه أهل العرفان حين نزول القرآن لمعرفتهم استحالة المعنى الحقيقي للحياوة في شأنه تعالى ثم اصطلح المتكلمون ذلك المعنى المجازي المفهوم بمعونة القرينة القوية فصار حقيقة عرفية فإن أراد المعترض بأن هذا المعنى لا يعرفه أهل اللسان لكونه غير موضوع له فلا يكون حقيقة فلا يضرنا وإن أراد أنه لا يعرفه مطلقا ولو مجازا فممنوع لأن له نظائر كثيرة والقرآن مشحون بالمجازات والاستعارات وقد حقق في موضعه أن الشرط سماع نوع المجاز لا شخصه ولو تم ما ذكره لأشكل الأمر في مواضع عديدة وأكثر المعاني الاصطلاحية معنى مجازي أو فرد من أفراد العام فمن أين علمت أيها المعترض أن أهل اللسان لا يعرفه بطريق المجاز حين نزول القرآن وأيضا لو تم ما ذكره يلزم اتفاق أهل الكلام على معنى خلاف ما فهم من القرآن ولا أظن أن أحدا يتجاسر على مثل هذا البهتان وما ذكره صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى :
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
[ البقرة : 19 ] أن لفظ المسبحة والسباحة والمهللة ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد وإنما أحدثوها بعد فلا يصح ذكر هذه الألفاظ كناية عن الأصبع السبابة وما جوزه هنا معنى مجازي للفظ الحي « 1 » وشتان ما بينهما . قوله : ( وكل ما يصح له فهو واجب لا يزول لامتناعه عن القوة والإمكان ) دفع لما يتوهم من تعريف الحي بما يصح أن يعلم ويقدر من إمكان زوال العلم والقدرة فدفعه بهذه المقدمة المسلمة وحاصله أن ما يصح له من الصفة يتصف به ذاته بالفعل لا بالإمكان لأن ما هو كذلك يقبل الزوال فيكون حادثا والحوادث لا تقوم بذاته تعالى لكن هذا في الصفات الحقيقية التي منها الحياة وأما الصفات الإضافية فيقبل التغير والزوال قوله لامتناعه الخ إشارة إلى ما ذكرناه . الحي على اللّه تعالى على التجوز لا على الحقيقة ومذهب محققي المتكلمين أن الحياة صفة حقيقية تغاير العلم والقدرة وسائر الصفات الحقيقية وأما قوله لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم ويقدر وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح اللّه نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات فنقول في جوابه أن اللّه تعالى سميع بصير والسميع والبصير صفتان يوصف بهما جميع الحيوانات والأصح عند المحققين أن السمع والبصر صفتان حقيقيتان للّه تعالى مغايرتان لمعنى العلم بالمسموعات والعلم بالمبصرات فبأي طريقة أجيب عن هذا أجبنا بما يشبه تلك الطريقة عن ذاك والتمدح بهذه الأوصاف ليس بما يشاركه وفيه غيره لأن ما وصف به تعالى في العلو والكمال بمثابة لا يمكن أن يوصف غيره بما يدانيه فضلا عن أن يساويه والحق عندي أن أمثال هذه الأوصاف في شأن البارىء تعالى من المتشابهات في الكيف .
هامش
( 1 ) وبهذا ينحل ما ذكره النحرير من أنه المعنى اللغوي وما ذكره هنا اصطلاح المتكلمين فاتجه عليه أنه كيف يفسر القرآن باصطلاحهم ولعله أنه لا يسلم أنه اصطلاح ويدعي أنه لغوي ولا مانع منه كذا قيل ولا يخفى عليك أنه لا يلزم تفسير القرآن بالمعنى اللغوي كتفسير الصلاة والزكاة والصوم والحج بالمعاني الشرعية وقد عرفت أيضا أن المعنى المجازي شائع في القرآن .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 381 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر