تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
في الكلام القديم عليه حيث لا يعرفه أهل اللسان وقت نزول القرآن وقد رده صاحب الكشاف مثل هذا في تفسير قوله تعالى :
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
[ البقرة : 19 ] وجوزه هنا انتهى وأنت خبير بأن تفسير الحي بالبقاء إرجاع صفة الحياة إلى البقاء وصرح علماء علم الكلام بأن البقاء صفة له تعالى مغايرة لصفة الحياة فلا مساغ له وما ذكره المص قوله : الحي الذي يصح أن يعلم ويقدر وفي الكشاف الحي الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء قيل قوله لا سبيل عليه نفي إمكانه لئلا ينتقض بالسر مديات وهو على على اصطلاح المتكلمين الذي للفناء يصح أن يعلم ويقدر قال المتكلمون الحق ذات يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا قال المحققون إنما هو صفة موجودة ووصف اللّه تعالى به يفيد أنه كامل على الإطلاق غير قابل للعدم لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية أو النسبية والإضافية وقوله الذي يصح أن يعلم ويقدر شامل لمذهب المتكلمين أن الحياة وغيرها صفة زائدة على الذات ولمذهب من جعلها عين الذات حقيقة ولمذهب من جعلها حالا وهو الأمر الثابت الذي لا يكون موجودا ولا معدوما والتحقيق فيه أن الحي في اللغة شيء ذو حياة ولا يفهم منه إلا قوة تقتضي الحس والحركة ولما وصف البارىء تعالى بها وهو منزه عن الحس والحركة لأنهما من صفات الجسمانيات جعلوها عبارة عن شيء يصح اتصافه تعالى به فأخذوا عن الحس معنى العلم الملائم له وعن الحركة معنى القدرة لما للقدرة نوع شبه بالحركة ففسروه الحي بالذي يصح أن يعلم ويقدر ليصدق على البارىء تعالى سواء جعل الحياة صفة وجودية زائدة أو لا قال بعض المتكلمين إن الحياة كون الشيء بحيث لا يمتنع أن يعلم ويقدر وعدم الامتناع لا يكون صفة موجودة وقال المحققون منهم لما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع وقد ثبت أن الامتناع أمر عدمي إذ لو كان وصفا وجوديا لكان الموصوف به موجودا فيكون ممتنع الوجود موجودا وهو محال وإذا ثبت أن الامتناع وثبت إن الحياة عدم هذا الامتناع وثبت أن عدم العدم وجود لزم أن يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة وهو المطلوب قال الإمام لقائل أن يقول لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم ويقدر وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح اللّه نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات ثم قال والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة بل كل شيء كان كاملا في جنسه يسمى حيا ألا يرى أن عمارة الأرض الخربة يسمى أحياء الموات وقال تعالى :
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ الروم : 50 ] وقال :
إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا
[ فاطر : 9 ] والصفة المسماة في عرف المتكلمين حياة إنما سميت بها لأن كمال الجسم أن يكون موصوفا بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة وكمال حالة الأشجار أن تكون خضرة مورقة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة وكمال حال الأرض أن تكون معمورة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم الأصلي من لفظ الحي كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته وإذا كان كذلك فقد زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل ولما لم يكن ذلك مقيدا بأنه كامل في هذا دون ذاك دال على أنه كامل على الإطلاق فقوله :
الْحَيُّ
[ البقرة : 255 ] كونه كاملا على الإطلاق والكامل أن لا يكون قابلا للعدم لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته النسبية والإضافية أقول معنى الحياة في اللغة غير معنى الكمال ووصف الجمادات المذكورة بالحياة إنما هو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة ووصف اللّه تعالى بالحياة ليس إلا على الحقيقة والمفهوم من تقرير الإمام أن إطلاق
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 380 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر