الظالمون لا الذين يؤتونها على وجه شرعي قوله أو وضعوا الخ فيكون ظالمين غيرهم فقوله أو وضعوا الخ الظاهر أنه عطف على ظلموا الخ يعني تاركوا الزكاة مسمون بالظلم إما لظلمهم أنفسهم حيث جعلوا أنفسهم مستحقين للعذاب أو لوضعهم الشيء وهو المال هنا في غير موضعه وهو معنى الظلم « 1 » .
قوله : ( فوضع الكافرون موضعه تغليظا وتهديدا كقوله
وَمَنْ كَفَرَ
[ البقرة : 126 ] مكان من لم يحج وإيذانا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار كقوله تعالى :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
[ فصلت : 6 ، 7 ] وهذا بناء على أن الكفار مخاطبون بالفروع وهو مذهب الشافعي وبعض أصحابنا ومن انكر ذلك لا يتمشى عنده هذا الوجه ولو قيل المراد التاركون لها تهاونا واستخفافا أو منكرا كما قيل في نظائرها لم يبعد فعلى هذا يكون حقيقة وعلى الأول استعارة تبعية حيث شبه ترك الزكاة بالكفر في ترتب العقاب عليها والداعي إليها التغليظ والتهديد مبالغة في الزجر وعلى الثاني مجاز مشارفة إذ الكبيرة تجر مرتكبه إلى الكفر كما أن الصغيرة تجر إلى الكبيرة وقيل وعلى الثاني كناية أو مجاز لزوم ولا يظهر وجهه ولو قيل إنه تشبيه بليغ أي التارك الزكاة كالكفار في الاتصاف بتلك الصفة لكن ترك التشبيه مبالغة ولو اعتبر الاستعارة كالأول لم يستبعد .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 255 ]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 )
قوله : ( مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير ) أي لفظة الجلال مبتدأ وخبره جملة لا إله إلا هو وهذا أشد تأكيدا من لا إله إلا اللّه ورابط الخبر الجملة ضمير هو الراجع إلى المبتدأ وهذا على تقدير كون المستثنى والمستثنى منه جملة واحدة ظاهر وأما على كونهما جملتين كما عند الشافعي فمشكل « 2 » إلا أن يقال إن كونها خبرا باعتبار التأويل كما قال والمعنى أنه المستحق الخ وكون المعنى ذلك لأن الحكم في المستثنى منه بعد الثنيا وحاصله ما ذكره أو مجموع المستثنى والمستثنى منه كالعلم لما ذكره كقولك له على عشرة إلا ثلاثة فإنه كالعلم لسبعة وهو الأحسن لكن هذا المعنى منسوب إلى أصحابنا الحنفية قد مر في تفسير البسملة أن الإله بمعنى المعبود حقا كان أو باطلا مستحقا كان أو غير مستحق لكن بمعونة القصر يراد المعبود بالحق إذ لو كان المراد المعنى العام لاختل الحصر قوله لا غير إشارة إلى الحصر المستفاد من النفي والاثبات
هامش
( 1 ) فهو من باب وضع تعريف الشيء موضعه .
( 2 ) لما كان الاستثناء من النفي إثباتا فسره بالكلام المثبت إذ الاستثناء عند الشافعي مشتمل على جملتين إحديهما منفية والأخرى مثبتة ولم يتعرض لمعنى النفي لظهوره وأما عندنا فلا يستفاد هذا المعنى من هذا المبنى بطريق المنطوق بل بطريق المفهوم أو الضرورة وقد حقق في فن الأصول .