فيه قولهن إذا لم يظهر كذبهن « 1 » فإن في عدم قبوله حرجا عظيما وهو مدفوع بالنص وجه الدلالة أنه جعله كالأمانة عندها والمؤتمن مصدق مع يمينه وكذا إذا قالت أنا حائض ولم يكذبها ظاهر الحال لا يحل للزوج قربانها ولو علق الطلاق به أو شيء آخر فقالت حضت وقع الطلاق والعتاق فكما أن النص يدل بمنطوقه على حرمة كتمان الحيض يدل بإشارته أو بدلالته على حرمة كتمان ما يؤدي كتمانه إلى المفسدة كإخفاء الطهر حيلة للرجوع لعل الزوج يرجع لظن بقاء العدة وعدم علم وقوع الطلاق والعتاق إذا علقا بالطهر وغير ذلك مما يؤدي كتمانه إلى عدم محافظة الحدود وفوت المقصود وكذا حال الزوج لا يحل له ما لم يعلم إلا من جهته كالتكلم بألفاظ كنايات الطلاق وتعليق الطلاق والعتاق بوقوع الشيء أو بعدمه وغير ذلك .
قوله : ( ليس المراد منه تقييد نفي الحل بإيمانهن بل التنبيه على أنه ينافي الأيمان وأن المؤمن لا يجترىء عليه ولا ينبغي له أن يفعل ) بل التنبيه يعني أن مفهوم الشرط وإن كان معتبرا عند الشافعي لكن الاعتبار عند انتفاء فائدة أخرى وهنا الفائدة الأخرى متحققة وهي التنبيه المذكور فلا مفهوم المخالفة أصلا أما عندنا فظ وأما عند الشافعي فلتحقق الفائدة الأخرى وقيل نبه بذلك على أن قوله إن كن ليس بشرط لقوله ولا يحل لهن بل جزاءه محذوف مثلا فلا يكتمن ولا يجترئن وهذا يخالف ظاهر قوله ليس المراد منه الخ على أنه يرد الإشكال أيضا لأنه يوهم أن من يؤمن لا يحرم عليه الكتمان والاجتراء المذكور « 2 » قوله الحيض خارج عن الرحم لا أنه مخلوق في الرحم وثالثها أن حمل قوله
ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ
[ البقرة : 228 ] على الولد الذي هو جوهر شريف أولى من حمله على الحيض الذي هو شيء في غاية الخساسة والقذارة وهذه الوجوه ضعيفة لأنها لما كان المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا اطلاع لغيرها عليها وبسببها تختلف أحوال الحرمة والحل في النكاح وجب حمل اللفظ على الكل والقول الثالث أن المراد هو النهي عن كتمان الحيض لأن هذه الآية وردت عقيب ذكر الاقراء ولم يتقدم ذكر الحمل وهذا أيضا ضعيف لأن قوله تعالى :
وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ
[ البقرة : 228 ] كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يرد إلى ما تقدم فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم .
قوله : وليس المراد منه تقييد نفي الحمل بإيمانهن يريد أن حكم حرمة كتمان ما في أرحامهن عام في حق المؤمنة والكافرة فإن الكتمان حرام عليهما فليس المراد بقوله
إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ
[ البقرة : 228 ] أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم إن كنت مؤمنا فلا تظلم تريد إن كنت مؤمنا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن أن تظلمني ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء وهو كما قال في الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والآية دالة على أن كل من جعل أمنيا في شيء فخان فيه فأمره عند اللّه شديد .
هامش
( 1 ) بأن أخبرت مضي عدتها بالحيض قبل مضي ستين يوما عند الإمام أو قبل تسعة وثلاثين يوما وثلاث ساعات عندهما وقس عليه نظائره .
( 2 ) فيحتاج في دفعه إلى ما ذكرناه .