تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
علماء الأصول لكنه مع كونه مرجوحا لا يليق هنا لإخراج بعض الثالث عن كونه وقت الحج مع أنه أشرف أوقات الحج ويعمل فيه أعظم أركان الحج ومعظم مناسكه وظاهر هذا الكلام فاسد ولابد من تأويله لأنه ذهب إليه صاحب الإرشاد أيضا ولا يخطر ببالي تأويله الصحيح الشافي ومعنى كون الأشهر معروفة كونها معلومة فيما بينهم « 1 » على ما توارثوه لكن أنهم كانوا يدخلون فيه النسيء فنبهوا على أنها هي أوقاته دون غيرها وقال عليه السّلام « إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات » ففي وقت نزول الوحي إن أوقات الحج ما هي في أصلها القديم دون الوقت الذي حصل بسبب النسيء ومعنى النسيء سيجيء مفصلا في تفسير قوله تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[ التوبة : 37 ] الآية واقتصر على بيان وقت الحج للإشعار بأن حج التمتع إنما هو في وقت الحج وأما العمرة وحدها فلا تتوقف على أشهر الحج بل هي غير موقتة صحيحة في كل سنة وإن كانت في يوم عرفة والنحر وأيام التشريق مكروهة . قوله : ( فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن عندنا أو بالتلبية أو سوق الهدي عند أبي حنيفة وهو دليل على ما ذهب إليه الشافعي ) فمن أوجبه الفاء لإفادة أنه مترتب على كون ما فوق واحد من آحاد مدلوله أما شهور بتمامها على قول أو شهران على قول آخر لا شهران وبعض شهر ولو التزم أن يقال لبعض الشهر أشهر تجوزا حتى يكون ذلك البعض من آحاد مدلوله كان هو الوجه الأول بعينه لا وجها آخر فينافيه لفظ أو في قوله أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد . قوله : فمن أوجبه على نفسه أي عين على نفسه الحج بالإحرام ثم انعقاد الإحرام عند أبي حنيفة بالتلبية أو بتقليد الهدي وهو جعل القلادة في عنقه وسوقه وعند الشافعي بمجرد النية وتحقيق هذا المقام وإن من أراد الحج إذا أحرم حرم عليه الصيد واللبس والطيب والنساء وغير ذلك وقبله كان جميع تلك الأمور حلالا عليه ولأجل حرمتها عليه سمي محرما كما سميت البقعة حراما لأنه يحرم بالكون فيها ما لولاه لا يحرم فلابد للمحرم من فعل يصير به محرما وحاجا فقال الشافعي الحج كف عن المحظورات فيصح الشروع فيه بالنية كالصوم وقال أبو حنيفة الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيه بمجرد النية كالصلاة فإنها لا يشرع فيه بمجرد النية بل يفعله كتكبيرة الافتتاح فإنها للصلاة كالتلبية للحج واستدل أبو حنيفة أيضا بما روى أبو منصور الماتريدي في تفسيره عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها إنها قالت لا يحرم إلا من أهل أو لبى . أقول : يمكن أن يقال في وجه رجحان قول أبي حنيفة في هذه المسألة أن كل فعل أوجبه المكلف على نفسه بالشروع إن كان حصوله بفعل الجوارح كالحج والصلاة يحتاج في كونه شارعا فيه إلى انضمام فعل من أفعاله إلى النية وإن كان حصوله لا بفعل الجوارح كالصوم فإنه مجرد الكف عن المفطرات كفى في الشروع فيه بمجرد النية فقياس الحج على الصوم قياس مع فارق .
هامش
( 1 ) أي فيما بين الناس لا يشكلن عليهم وفيه أن الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء مقررا له كذا في الكشاف إذ الحج عبادة قديمة وشرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه اللّه تعالى ورسوله بلا إنكار ولذا لم يجب الحج إلا بعد القصة والأمر به .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 112 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر