قوله : ( بأن لا يكون ) أي بأن لا يوجد .
قوله : ( وما كانت منها مستقبحة في أنفسها ففي الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة والتطريب بقراءة القرآن لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة ) كلبس الحرير فإنه حرام ولبسه في الصلاة أغلظ حرمة وكذا لبس الأحمر فإنه مكروه عند البعض ولبسه في الصلاة أشد كراهة والمراد بالتطريب ما يخرجه عن اتصال الحروف ويجعله كالأغاني قوله لأنه أي الحج خروج الخ .
قوله : ( وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأولين بالرفع على معنى لا يكونن رفث ولا فسوق والثالث بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج ) بالرفع بناء على أن لا قوله : وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأولين بالرفع الخ قال الإمام إذا قلت لا رجل بالنصب فقد نفيت الماهية وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعا وأما إذا قلت لا رجل بالرفع فقد نفيت رجلا منكرا مبهما وهذا بوضعه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل فقولك لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك لا رجل بالرفع وإذا ثبت هذا فنقول إنما رفع الأولان ونصب الثالث ليدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والفسق مخالفة أمر اللّه تعالى والجدال مشتمل عليهما أما على الأول فلأن المجادل يشتهي تمشية قوله وأما على الثاني فلأن المجادل لا ينقاد للحق وفي الجدال أمر زائد وهو أنه كثيرا يقدم على الإيذاء المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملا على جميع أنواع القبح لا جرم خصه اللّه تعالى في هذه القراءة بمزيد الرجز والمبالغة في المنع قيل عليه أن هذا إنما يتم لو كان لا في رفث ولا فسوق بمعنى ليس وليس كذلك بل لنفي الجنس لأن المذكور في فن النحو أن المنفي بلا لنفي الجنس يجوز رفعه إذا تكرر فلا فرق بينهما فيما ذكره أصلا هذا ما قيل في وجه قراءة الأولين بالرفع والثالث بالفتح والمصنف رحمه اللّه لم يتعرض لوجه قراءة الأولين بالرفع والثالث بالفتح لكن حمل الأولين في هذه القراءة على النهي والإنشاء وأبقى الثالث على أصل النفي والاخبار بناء على أن مقتضى المقام في الثالث الإخبار عن انتفاء الجدال الكائن منهم وارتفاعه بالأمر بالوقوف بعرفة بخلاف الرفث والفسوق فإنهما ليسا بمرتفعين عن البشر حتى يخبرا عن ارتفاعهما وانتفائهما بل طبع البشر يقتضي صدور هاتين الرذيلتين منهم وقتا بعد وقت ولما كانا مما يتوقع أن يستمر حصوله من الطباع متجددا زمانا بعد زمان كان ظاهرحال المكلف أوجب أن ينهي عنها ويزجر لئلا يقع في الحج ما يبطله والحاصل أن قريشا كانوا منتهين عن الجدال بسبب الأمر بالوقوف بعرفة فلا معنى لحمل النفي عن الجدال على معنى النهي لأن نهي الإنسان عما انتهى عنه غير معقول فبقي هو على أصل الاخبار عن الانتفاء بخلاف الرفث والفسوق فإن البشر غير منته عنهما بل هما متوقعا الحصول عن طباعهم فالأنسب أن يحمل النفي فيهما على النهي فعلى هذا يكون المعنى فمن فرض فيهن الحج فلا يرفث ولا يفسق ولا جدال في الحج فقوله
وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
[ البقرة : 197 ] على هذا إما حال أي لا يكونن منه رفث ولا فسوق حال كونه منتهيا عن الجدال أو اعتراض جيء لبيان أن الجدال مما وجب أن ينهى عنه أيضا لو لم ينتهوا واستدل على أن المنتهى عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله عليه الصلاة والسّلام « من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه » وأنه