قوله : ( على ما رزقكم وأحل لكم ) هذا من مقتضى المقام وإلا فالشكر للّه على ما أنعمه كله واجب ثم الالتفات من التكلم إلى الغائب لتربية المهابة وللتنبيه على أنه كما يستحق الشكر لإنعامه يستحق أيضا لذاته وفي عطف أحل على ما رزقكم رمز إلى أن الحل خارج عن مفهوم الرزق « 1 » ومراده ههنا بقرينة طلب الشكر عليه وأيضا فيه إشارة إلى أن المراد بالطيبات الحلال لا المستلذ منه فقط .
قوله : ( إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن عبادته تعالى لا تتم إلا بالشكر ) فإن عبادته مضاف إلى المفعول أي فإن عبادة اللّه تعالى لا تتم ولا تكمل إلا بالشكر أشار به إلى أن الشرط المذكور بمنزلة التعليل لطلب الشكر كأنه قيل واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة لأنكم موحدون وشأن الموحد التخصيص وتخصيصكم إياه بالعبادة يدل على أنكم تريدون عبادة يليق بكبريائه وإن لم يكن مقدورا لكم قال عليه السّلام ما عبدناك حق عبادتك والعبادة اللائقة بكبريائه وهي الكاملة لا تتم إلا بالشكر اللساني فإنه رأس الشكر وهو من أعظم العبادات ولذا قال عليه السّلام الإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر قال في سورة الفاتحة ولما كان الحمد من شعب الشكر أشيع للنعمة وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد وما في آداب الجوارح من الاحتمال جعل رأس الشكر والعمدة فيه فقال عليه السّلام الحمد رأس الشكر ما شكر اللّه من لم يحمده والشكر وإن كان عاما لجميع العبادات لكونه أعم من اللسان والجنان والأركان كما صرح به في تفسير الفاتحة لكن المص حمل الحمد اللساني لما ذكره من أنه أظهر شعب الشكر وجعل العبادة غير الشكر وهو مقتضى سوق النظم الكريم فإنه لو حمل الشكر على معناه وهو أعم من اللسان والجنان والأركان لكان المعنى واشكروا للّه إن كنتم إياه تشكرون وهو يخل الحسن .
قوله : فإن عبادته لا تتم إلا بالشكر تعليل لتقييد الأمر بالشكر بالعبادة له تعالى ففيه تنبيه على أن من لم يشكر المنعم لم يعبده لأن تمام العبادة إنما هو بالشكر بل العبادة نفسها عين الشكر سواء كانت باللسان أو بالجنان أو بالعمل بالأركان بل الشكر عبارة عن تعظيم صدر من مجموع هذه الموارد فلا عبادة إلا وهي شكر والشكر صرف العبد جميع أعضائه الظاهرة والباطنة لما خلقت لأجله فإذا لم يصرف واحدة منها إلى ما لأجله خلقت لم يكن شاكرا فلا يكون عابدا له تعالى لأن العبادة هي نفس الشكر وانتفاؤه انتفاؤها وهذا البيان مبني على أن لا يكون تقديم المفعول للتخصيص بل للاهتمام بذكره تعالى أو لمحافظة فواصل الآي وأما إذا جعل التقديم لإفادة الحصر والتخصيص كان القيد حصر العبادة له تعالى لا نفس العبادة فيكون المعنى واشكروا له إن كنتم خصصتموه بالعبادة فيفيد أن من لم يشكر له تعالى بل شكر غيره لم يخصصه بالعبادة ومفهوم الحديث الذي أورده يدل على أنه رحمه اللّه حمل التقديم في الآية على التخصيص فكان الأولى للمص أن يفسر معنى الآية على وفق معنى الحديث .
هامش
( 1 ) وفيه رد على الكشاف حيث قال في قولهمِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْمن مستلذاته لأن كل ما رزقه اللّه تعالى لا يكون إلا حلالا .