قوله : ( أو حال مما في الأرض ) قدم عليه بتنكيره أخره لأن هذا نوع تكلف مع احتمال أمر بدون تكلف .
قوله : ( ومن للتبعيض إذ لا يؤكل كل ما في الأرض ) ومن للتبعيض أي على الأخيرين بخلاف التقدير الأول فإنه يجوز أن تكون ابتدائية أي كلوا حلالا ناشئا من الأرض ويحتمل أن تكون تبعيضية وهو الظاهر من قوله إذ لا يؤكل كل ما في الأرض لكن الابتدائية لا تقتضي أكل كل ما في الأرض كيف لا وقد صرح بعض الثقات من النحاة أن معنى الابتداء أصل وسائر المعاني راجع إليه نحو شربت من الماء ابتداء شربي من الماء نقل عن الرضي أنه قال ومبناه على أن من التبعيضية في الأصل ابتدائية إلا أن يكون هناك شيء ظاهر أو مقدر هو بعض المجرور بمن كقولك أخذت من الدراهم شيئا أو أخذت من الدراهم أي شيئا فح يعرف كونها تبعيضية ولا يخفى عليك أن الحلال هنا بعض من المجرور بمن فيصح التبعيض في الوجوه الثلاثة لكن النحرير التفتازاني ذهب إلى أنه على تقدير كون حلالا مفعولا به يتعين كون من للابتداء لأن من التبعيضية في موقع المفعول به ولا يخفى أنه مخالف لما في الرضي من أن قولك أخذت من الدرهم من فيه تبعيضية مع ذكر المفعول به ونظيره كثير ثم قال الرضي فإن كان المفعول بعده وهو معرفة فهو متعلق بالفعل نحو أخذت من الدراهم هذا الدرهم وإن كان قبله وهو نكرة نحو أخذت شيئا من الدراهم جاز أن يكون ظرفا لغوا متعلقا بالفعل وأن يكون ظرفا مستقرا صفة له وإن قدم على النكرة كقولك أخذت من الدراهم شيئا جاز أن يكون حالا مقدما انتهى وما نحن فيه من هذا القبيل ولهذا قدم احتمال المفعولية وجواز احتمال الحالية وفي كلام الرضي إشارة إلى رجحان المفعولية وتخصيص الأرض مع أن السماء مشتركة قال تعالى :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ يونس : 31 ] وقال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 22 ] لظهور الأرض بالنسبة إلينا .
قوله : ( طيبا يستطيبه الشرع ) طيبا صفة حلال مادحة لا احترازية في الاحتمال الأول أو مقيدة في الاحتمال الثاني لكن يقتضي عدم تناول الأمر بالحلال الذي لا تستطيبه الشهوة المستقيمة ولا يخفى بعده إلا أن يقال إن الأمر للإباحة والظاهر أنه يراد به المعنى العام للوجوب والإباحة قوله
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
[ البقرة : 168 ] لا يلائم الأول إن كان حلالا مفعولا به لكلوا أو حالا مما في الأرض فوصفه بالطيب هي ظاهر وإن كان صفة لمصدر محذوف فوصفه به للمبالغة كأن الطيبية سرت إلى الأكل من كمال طيبية المأكول ولك أن تقول إنه على ظاهره إذ الفعل كما يوصف بالحل والحرمة يوصف أيضا بالطيب والخبث لكن في الثاني لا بد من ارتكاب المجاز .
قوله : ( أو الشهوة المستقيمة إذ الحلال دل على الأول ) أو الشهوة المستقيمة ظاهره قوله : إذ الحلال دل على الأول أي دل الحلال على ما يستطيبه الشرع وهو تعليل لتفسير