للتمني حمله على التمني لكونه مجابا بالفاء وإلا فأصل معناه هنا صحيح إذ امتناع التبرء لامتناع الكرة لكن جوابه لم يأت بالفاء « 1 » الكرة الرجوع إلى الحالة الأولى والمراد الرجوع إلى الدنيا والنون عبارة عن الاتباع والمتبوعين وإنما قيد إلى الدنيا لأن التبرؤ في الآخرة واقع وإنما تمنوا ذلك لأن التبرؤ في يوم القيامة لا يضرهم لأنهم في دهشة عظيمة والتعارف والإلفة بينهم منقطعة فمرادهم بالتبرء الإذلال والتحقير وهذا مؤيد لقراءة
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا
بصيغة المجهول
مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
بصيغة المعلوم وأما قراءة العكس فالمعنى لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم في الدنيا تبرءا مثل تبرؤنا في الآخرة قولهم كما تبرؤوا منا معناه كما تبرأ المتبوعون حين تبرأنا منهم فوضع كما تبرؤوا منا موضع كما تبرأنا في الآخرة إشعارا بسرعة تبرئهم منهم حين تبرأ المتبوعون منهم حتى كان تبرؤهم من المتبوعين تبرإ المتبوعون منهم وفي حل قوله تعالى :
لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ
[ يونس : 11 ] الآية تفصيل يؤيد ما قلنا هنا فتأمل وكن على بصيرة فإن البعض استصعب حله على قراءة مجاهد .
قوله : ( مثل ذلك الإراء الفظيع ) أشار بذلك إلى أن كذلك في موقع المفعول المطلق ليريهم اللّه والمشار إليه المفهوم مما سبق من قوله
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
فإن رؤيتهم العذاب إنما هي بإراء اللّه تعالى إياهم وفيه تكثير فائدة حيث أفاد النظم الكريم الإراءتين إراءة العذاب الفظيع وإراءة أعمالهم حسرات فكذلك مفعول مطلق تشبيهي والمعنى يريهم اللّه أعمالهم حسرات عليهم إراءة مثل إراءة العذاب الفظيع فقدم على عامله للاهتمام بشأنه والقصر محتمل واختار بعضهم أنه إشارة إلى المصدر الفعل الذي بعده وقد عرفت أن فيما اختاره المص كثير فائدة والإراء مصدر أراه يريه لكن المعروف إراءة بالتاء لأنها عوض عن العين المحذوفة حذفت عند الإضافة نحو وأقام الصلاة والحذف بلا إضافة حكي عن سيبويه واختاره المص كأنه راعى كون لفظ ذلك مذكرا فجعل المشار إليه مذكرا .
قوله : ( ندمات وهي ثالث مفاعيل يرى إن كان من رؤية القلب والإفحال ) ندمات قوله : مثل ذلك الآراء المشهور الإراءة لكن العرب ربما يحذف التاء كما في قوله تعالى :
وَإِقامَ الصَّلاةِ
[ الأنبياء : 73 ، النور : 37 ] وإنما فسر بالإراء وعدل عن المشهور ليناسب تذكر ذلك المشار به إلى الإراء الآتي ذكره في
يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
ذكر سيبويه أن العرب تحذف التاء من الأداة ولذلك وقع الإشارة بذلك إلى مذكر .
قوله : والافحال أي وإن لم يكن يريهم من رؤية القلب بل من رؤية البصر أي إن لم يكن بمعنى العلم بل بمعنى الابصار لم يتجاوز تعديته المفعولين إلى ثالث فحينئذ يكون حسرات حالا أما من المفعول الأول فالمعنى متحسرين عليهم أي على أنفسهم على ما فوتوه أو من المفعول الثاني والمعنى حال كون أعمالهم حسرات عليهم والثاني أنسب للتكلف في تصحيح معنى عليهم
هامش
( 1 ) قال المحقق التفتازاني هذا بيان للمعنى وأما بحسب اللفظ فإن لنا كرة في موضع رفع أي لو ثبت فيكون الفعل المحذوف فنتبرأ مع أن المضمرة عطف عليه .