تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
قوله : ( ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه ولذلك سماه وليا في قوله
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
) ظاهر العداوة إشارة إلى أن مبين اسم فاعل من أبان بمعنى ظهر لا بمعنى أظهر وإن استعمل فيه كما نبه عليه المص في أواخر سورة هود لكنه لم يناسب معنى المتعدي هنا فلذا اكتفى بالمعنى اللازم وإنما قيد بذوي البصيرة لأنها خفية لدى أهل الغواية وعن هذا قال وإن كان يظهر الموالاة الخ لكن إظهار الموالاة من الشيطان لأوليائهم غير ظاهر « 1 » . قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 169 ]

إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 ) قوله : ( بيان لعداوته ووجوب التحرز عن متابعته ) ولذا اختير الفصل وأكد بأداة القصر قوله : ظاهر العداوة عند ذوي بصيرة معنى ظهور العداوة مستفاد من وصف عدو بمبين على أن يجعل همزة أبان للصيرورة لم يحمله على معنى التعدية حيث لم يقل مظهر العداوة كما هو أكثر في بابه بناء على أن الشيطان عدو محيل والمحيل لا يظهر عداوته عند قصد الاضلال والازلاق عن طريق الحق بل يرى نفسه في صورة الصديق الناصح لمن يريد اضلاله وإغواءه كقوله
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
[ طه : 120 ] و
قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ * وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
[ الأعراف : 20 - 22 ] فدلاهما بغرور وإنما قيد ظهور عداوته بقوله عند ذوي بصيرة لأن عداوة الشيطان عند متبعي الهوى الذين لا بصارة لهم ليست بظاهرة بل هو عندهم كولي حميم حيث يدلهم على مشتهيات نفوسهم ولذائذ مراداتها المستحسنة لهم وذلك معنى قوله وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه . قوله : بيان لعداوته ووجوب التحرز عن متابعته يعني هذه الجملة استئناف وارد لبيان ما ذكر من النهي عن اتباع الشيطان وأنه عدو لبني آدم كأنه لما قيل
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
[ البقرة : 168 ] سأل سائل ما يفعل الشيطان في عداوته فأجيب بقوله :
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ
[ البقرة : 169 ] قوله واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم شبه بعثه على الشر بأمر الآمر في أن كلا منهما سبب لوقوع الشر فطوى المشبه فيكون استعارة تبعية وإذا بعث الشيطان على الشر وإطاعة إنسان فهو بمنزلة المأمور المنقاد ولذا قالوا إن في هذه الاستعارة كناية رمزية عن مأموريته وانقياده له أما وجه أخذ معنى التسفيه والتحقير من استعارة الأمر للتزيين فإن في هذه الاستعارة إيماء ورمزا إلى أنهم منه بمنزلة المأمورين بالطاعة له وبقبول وساوسه والمنقادين المسخرين لإغوائه وبعثه على الشرور ومن ذلك قوله :
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
[ النساء : 119 ] وقال اللّه تعالى :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] حين كان الإنسان يطيع النفس فيعطيها حقها فقوله واستعير الأمر لتزيينه جواب لما عسى يسأل ويقال الآمر مستعمل على المأمور ومتسلط فوقه فكيف يستقيم هذا مع قوله عز وجل :
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] وقوله
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] وخلاصة الجواب أن الكلام فيه استعارة وفي الاستعارة مزيد نعي على سوء صنيعهم وتسفيه رأيهم وتحقير شأنهم وذلك بأخذ الزبدة والخلاصة من الجملة .
هامش
( 1 ) لأن الغاوين لا يرونه وإن كان يرونهم فالإظهار إنما هو بالرؤية .