تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
إلى الدنيا ) للمبالغة في الخلود أي والأصل ذلك الكلام لكن يقتضي الحال ما ذكر في النظم الجليل لإفادة المبالغة في الخلود إذ الجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات بلا انقطاع في وقت من الأوقات مع أن تقديم المسند إليه على الخبر المشتق يفيد تقوي الحكم وإن سلم عدم إفادته الحصر قوله والرجوع إلى الدنيا إشارة إلى ارتباطه بما قبله فعلم من هذا البيان أن النفي ليس لنفي الدوام بل لدوام النفي فما قاله الفاضل السعدي في سورة الحج في قوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها
[ المائدة : 37 ] الآية فإن قوله
وَما هُمْ بِخارِجِينَ
نفي لاستمرارهم على الخروج ضعيف مخالف لبيان المص هنا قال ابن الكمال هنا الجملة الاسمية تفيد الدوام بحسب العرف كما مر في قوله تعالى :
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
[ البقرة : 8 ] انتهى ولك أن تقول مقام الوعيد لا سيما للكافر العنيد يأبى عن حمل مثل هذا الكلام على نفي استمرار الدوام بل مقتضاه الحمل على الاستمرار في النفي . قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 168 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) قوله : ( نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس ) نكر قوما ولم يعينها للإشارة إلى الأقوال المختلفة فمنهم من ذهب إلى أنها نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وقيل في عبد اللّه بن سلام واضرابه حيث حرموا على أنفسهم لحم الإبل لما كان حراما في دين اليهود وغير ذلك فلا إشكال بأن هذه الآية نازلة في المشركين الذين حرموا البحيرة وغيرها كما ذكره أبو جرير وغيره وأما النازلة في حق المؤمنين الذين حرموا على أنفسهم الأطعمة الشهية والملابس الرفيعة ففي المائدة قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
[ المائدة : 87 ] الآية قال المص في تفسير قوله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ
[ المائدة : 103 ] الآية رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية فلا يكون سبب نزول هذه الآية تحريم البحيرة ونحوها لأنه قبل نزول هذه الآية إلا أن يتكلف ويقال إنه كون ذلك التحريم في زمان الجاهلية لا ينافي سببية نزول هذه الآية وقيل وهذا السؤال وارد على المص غير مندفع . قوله : ( وحلالا مفعول كلوا أو صفة مصدر محذوف ) مفعول كلوا قدمه لأنه لا يحتاج إلى الحذف لأن كون الحل وصفا للمأكول أولى من كونه وصفا للآكل لأنه سبب لحل الأكل وإن كان في عرف الفقهاء الحل والحرمة وصفين لأفعال المكلفين . قوله : أو صفة مصدر محذوف تقديره أكلا حلالا فانتصابه على أنه مفعول مطلق أكلوا تجوزا لأن المفعول في الحقيقة موصوفه حذف الموصوف وأقيم صفته مقامه وأعرب بإعرابه قوله أو حال مما في الأرض أي كلوا بعض ما في الأرض حال كونه حلالا .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 420 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر