لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب ) أو للجنس أي للاستغراق فحينئذ يفيد القصر ولهذا قال والمعنى أن الحق أي جنس الحق بحيث لا يشذ منه شيء ما ثبت أنه من عند اللّه كالحق الذي أنت عاكف عليه لا ما لم يثبت أنه من عند اللّه تعالى لما كان الحصر متضمنا للإثبات والنفي تعرض النفي بعد الإثبات قوله كالذي عليه أهل الكتاب تمثيل لما لم يثبت أنه من عند اللّه لكونه منسوخا أو لكونه من مخترعاتهم تبعا للهوى فلا إشكال بأن ما عليه أهل الكتاب مأخوذ من الكتاب وحمل اللام على العهد تارة وعلى الجنس أخرى بناء على اعتبار قرينة العهد وعدم اعتباره وقدم العهد لأنه الأصل عند القرينة ولو كانت ضعيفة ولك أن تقول الجنس أولى وبالتقديم أحرى أما أولا فلشموله ما عليه الرسول عليه السّلام وغيره من الأديان الحقة وغيرها فيدخل ما عليه الرسول عليه السّلام دخولا أوليا وأما ثانيا فلإفادته القصر المشير إلى تعريض أهل الكتاب بأنهم مبعدون عن الحق بمراحل دون العهد وأما ثالثا فلأن ذكر الحق مظهرا مع أن المقام مقام المضمر يؤيد الجنسية والشيء إذا أعيد معرفة يكون عين الأول قاعدة يعدل عنها كثيرا .
قوله : ( وأما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ومن ربك حال أو خبر بعد خبر ) فمرجع الضمير ما عليه الرسول عليه السّلام أو ما يكتمونه واللام حينئذ للجنس أي ما عليه الرسول عليه السّلام كله هو الحق لا ما عليه أهل الكتاب نظيره كما في قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ
[ البقرة : 2 ] ولا معنى للعهد لأن المبتدأ متحد مفهومه ومفهومه إلا أن يقال إنه من قبيل شعري شعري فيفيد الكمال والمعنى أن ما جاء به الرسول ومن جملته أمر القبلة هو الحق المعهود المستحق لأن يسمى حقا وللتنبيه على جواز الاحتمالين سكت عن بيان التعريف فيه وفي كلام الكشاف رمز إليه ومن ربك حال أي حال مؤكدة من الضمير المستكن في الحق فالمبتدأ المقدر حينئذ أيضا هو لا هذا قدمه على الاحتمال الأخير لأن الخبر بعد الخبر بلا عطف مما ينازع فيه وأيضا لا يظهر فيه فائدة الخبر كما نبهنا عليه في الاحتمال الأول والتأكيد في الخبر غير متعارف بخلاف الحال .
قوله : لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب معنى الحصر مستفاد من اللام الجنسي في المبتدأ كما في الحمد للّه فإنه يفيد أن جنس الحمد للّه فينافيه كون فرد منه لغيره والمعنى ههنا أن جنس الحق ما هو من ربك وينافيه كون شيء من الحق من غيره تعالى ومعناه حصر الكمال على منوال قولك الجود جودك والصنع صنعك وهو حصر حقيقي فإن كل حق ثابت من غيره تعالى إنما هو منه تعالى لأنه إنما يكون حقا إذا كان على قانون الشرع وطريق الإسلام فكأنه قيل جميع الحق من اللّه فما أنت عليه لكونه من اللّه حق وما هم عليه لكونه في مقابلته باطل ففيه تعريض لهم بأنهم على الباطل .
قوله : ومن ربك حال فيكون حالا مؤكدة نحو هو الحق بيّنا قال بعض الأئمة من شراح الكشاف فعلى هذا المبتدأ المقدر هذا ليصح قوله :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
[ البقرة : 147 ] على الإبدال ثم روي عن صاحب الكشاف أنه قال هذه القراءة بالنصب على الإبدال يؤيد كون من ربك حالا ويدل على أن اللام للعهد .