تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
والنهي عن الشيء يقتضي وقوعه أو توقعه وترقبه من المنهي عنه وكلاهما غير منصور هنا فلا فائدة في النهي . قوله : ( وليس بقصد واختيار ) قرينة أخرى على عدم المراد به نهيه عليه السّلام وحاصله أن الشك لا يحصل بالقصد والاختيار لكونه من الكيفيات النفسانية وكل مكلف به أمرا كان أو نهيا يجب أن يكون بالاختيار فالشك لا يكون مكلفا به فالقياس من الشكل الثاني صغراه ما ذكره وكبراه ما قدرناه لكن يرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون الشك مكلفا به باعتبار مبادئه أي فلا تكونن من الذين يباشرون شيئا يؤدي إلى الشك كما قالوا هكذا في الأمر بالإيمان فإن التصديق من الكيفيات النفسانية والأمر به أمر بمبادئه فليكن هنا كذلك فالكبرى المذكورة على إطلاقها غير مسلمة . قوله : ( بل أما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر ) أي أن النهي عن الامتراء في الشيء لا سيما النهي عنه من لا يتوقع منه امتراء قطعا يستلزم بيان أنه بلغ في الوضوح مبلغا بحيث لا ينبغي أن يشك فيه عاقل أصلا وناظر قطعا وهذا اللازم هو المراد من النهي هنا كناية . قوله : وليس بقصد واختيار عطف على قوله غير متوقع عنه وتعليل لنفي كون المراد منه نهي الرسول عليه السّلام عن الامتراء أي وليس الشك من الأشياء التي تعتري الإنسان بقصده واختياره حتى ينهى عنه بل هو مما يعتري بالضرورة بلا قصد واختيار وما كان كذلك كيف يتصور النهي عنه والنهي عن الشيء إنما يكون فيما يدخل تحت القدرة يعني شرط النهي أن يكون فيما يتوقع منه أن يرتكب المنهي عنه وفيما يكون بقصد واختيار وكلا الأمرين منتف ههنا فكيف يتصور النهي . قوله : بل أما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر هذا على أن لا يكون الخطاب للنبي بل يكون خطابا عاما لكل أحد على طريقة قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
[ السجدة : 12 ] الآية وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : بشر المشائين وقوله : أو أمر الأمة إلى آخره على أن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكن المقصود الأصلي خطاب الأمة وذكر الرسول تعظيما له لأنه إمام أمته وقدوتهم اعتبارا لتقدمه واظهارا لرتبته فعلى هذا يكون الخطاب فيه كالخطاب في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ الطلاق : 1 ] الآية لكن الأول أبلغ من الثاني لإفادته أن الخطب أبلغ من العظم إلى حيث لا يختص بالخطاب أحد دون أحد ومعنى كونه امرا للأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك باكتساب المقدمات الموصولة إلى إزالة الشك في الحق أن النهي عن الشك في الحق حث على الجزم فيه والاعتقاد به والجزم والاعتقاد فيه لا يحصل إلا بعد النظر الصحيح والتأمل في المقدمات وتلك المقدمات هي المعارف الموصلة إلى المطلوب الذي هو العلم بحقيقة الحق وهو المعنى بإزاحة المعارف للشك فإن المقدمات إنما تزيل الشك في المطلوب بسبب إيصالها النفس إلى الجزم به والمطلوب هنا العلم بحقية ما عليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عام متناول لجميع الأمور الدينية من الاعتقاديات التي هي الأصول ومن الأفعال والتروك التي الفروع فتكون الآية أمرا بجميع ذلك فهي من جوامع الكلام ومجامع الحكم لما فيها من التحريض إلى اكتساب النفس ما به كمالها الباقي الأبدي وسرورها التام السرمدي الذي هو الغاية من إنزال الكتب وارسال الرسل .