أين عرفتم فيقولون علمنا ذلك بإخبار اللّه تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأل عن حال أمته فيشهد بعدالتهم ) إقامة للحجة بيان للحكمة قوله فيشهدون أي فيشهدون بالتبليغ قوله علمنا ذلك الخ وهذا لا ينتظم المعاصرين فإن علمهم بأحوالهم بالمشاهدة والعيان في كتابه أي في القرآن الناطق أو الدال على تبليغ الأنبياء أو على كل شيء من أمور الدين فيدخل فيه التبليغ دخولا أوليا على لسان نبيه الصادق وعلم صدقه بالبراهين الساطعة العقلية ولذا تعرض فيما مر الحجج العقلية تنبيها على مدخليتها في كونهم شهداء فيؤتى بمحمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم والتعبير باسم علمه مع أن الظاهر التعبير بصيغة التكلم تنبيها على أن إتيانه لكونه رسولا قال تعالى
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] ولفظ محمد دال على الرسالة لشهرته به ولم يعبر بالرسول هضما لنفسه فيسأل والسائل هو الملك كما هو الظاهر وهذا ملحوظ فيما سلف أي فيؤتى بأمة محمد فيسألون عن تبليغ الأنبياء فيشهد بعدالتهم ولم يقل بخيريتهم لأن مآلها العدالة كما مرّ بيانه .
قوله : ( وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول عليه السّلام كالرقيب صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأل عن حال أمته ويشهد بعدالتهم وهو قوله
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] ذكر صاحب الكشاف هناك أن شهيد كل أمة نبيهم وجئنا بك على هؤلاء المكذبين بكسر الذال شهيدا وظاهر أنه لا مدخل لأمته عليه الصلاة والسّلام في ذلك فكيف يقول وذلك قوله الخ وأجاب بعضهم أن ذلك التفسير لا ينافي أن تكون شهادة الرسول على هؤلاء المكذبين شهادة لأنبيائهم بوسط وهذه الآية وهي قوله تعالى
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] تدل على الوسط لأن شهادته عليه الصلاة والسّلام بعدالة من شهد عليهم بما أنكروا من التبليغ أعني أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم متضمنة لشهادته على هؤلاء المنكرين بالتبليغ والشهادة بعدالة من شهد عليهم شهادة لأنبيائهم بتبليغهم الأحكام إليهم فشهادته صلّى اللّه عليه وسلّم على الأمم المكذبين شهادة لأنبيائهم بالواسطة لأن تصديق الشاهد في شهادته وتعديله فيها شهادة بما شهد ذلك الشاهد به فيوافق معنى تلك الآية لهذه الآية بهذا التأويل ومن ههنا قال بعض من شراح الكشاف فإن قيل ما ذكره صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] من أن شهيد كل أمة نبيهم وهؤلاء إشارة إلى الذين كذبوا الأنبياء لا يطابق القصة ولا يوافق ما ذكره في هذه الآية قلنا يطابقها من جهة أن يجعل شهادته على الأمة المكذبين هي شهادته بعدالة من شهد عليهم بما أنكروا من التبليغ وهم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فصح بهذا التوجيه تنظيره بقوله
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا
[ النساء : 41 ] الآية لأن مآل معنى الآيتين إلى شيء واحد وهو أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم شاهد بصدق شهادتهم ذلك وشهادتهم على الناس إنما هي للأنبياء وكذا شهادته عليه الصلاة والسّلام لهم وهذه الشهادة مستفادة أيضا من تلك الشهادة القائلة :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا
[ النساء : 41 ] الآية من حيث إن شهادة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على هؤلاء المكذبين إنما هي للأنبياء عليهم السّلام قال حين أنكروا التبليغ أن هؤلاء الأنبياء قد بلغوا إليهم ما أمروا بتبليغه غير أنه لم يتعرض في تلك الآية لشهادة أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما تعرض لها في هذه الآية .
قوله : وهذه الشهادة وإن كانت لهم يريد وجه استعمال اللفظ الدال حين كونه صلة للشهادة