تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
قوله : ( ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط ) لأنها وسط معنوي لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط فيكون تشبيها للمعقول بالمحسوس والجامع مطلق الوقوع بين الأمرين وإن كان المشبه واقعا بين الأمور والتعبير بقوله بين طرفي مع أنه ملائم للوسط بسكون السين لما عرفت أنه أخص مطلقا منه . قوله : ( كالجود بين الإسراف والبخل ) كالجود مثال للخصلة الحميدة من الأخلاق وطرفه الإفراط الإسراف وتفريطه البخل وهذا للقوة الشهوانية البهيمية . قوله : ( والشجاعة بين التهور والجبن ) هي الفضيلة من القوة الغضبية البهيمية وطرفها الإفراط التهور والتفريط فيها الجبن والفضيلة للقوة العقلية الملكية هي الحكمة وإفراطها الجزبزة وتفريطها البلاهة ولو تعرض لها لكان أتم بيانا وإن كان غرضه التمثيل لا الاستيعاب إذ القوة العقلية العملية أشرف القوى ولها مدخل في كون الأمة وسطا بل لو تصدى لبيان التوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين الجبر المحض والقدر لكان أحسن سبكا وأعم نفعا ولا شك في عموم الخصال لها كما أشار إلى ذلك في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] . قوله : ( ثم أطلق على المتصف بها مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ) ثم أطلق أي مجازا بعلاقة الحالية والمحلية ولذا قال ثم أطلق ولم يقل ثم استعير وإنما استوى فيه الواحد وغيره لأنه بحسب الأصل جامد اسم للمكان فلا تعتبر المطابقة وقد تستعمل جمعا مثل قوله عليه السّلام خير الأمور أوساطها . قوله : ( كسائر الأسماء التي يوصف بها ) أي كسائر الأسماء التي طرفيه معنى الوصفية ووصف بها يستوي فيه الواحد الخ بشرط أن يفهم منها معنى الوصفية بلا ذكر الموصوف وأما رعاية المطابقة في نحو زيد هذا والزيدان هذان والزيدون هؤلاء فلأن انفهام معنى الصفة منها موقوف على ذكر الموصوف فلا يرد النقض بها . قوله : ثم اطلق على المتصف بها أي بتلك الخصال المحمودة كما هو كذلك ههنا فإن المراد بالوسط هنا خيار الناس وهم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والحاصل أن وسطا اسم للمكان المذكور ثم استعير للخصال الحميدة تشبيها لها بذلك المكان والجامع كون كل منهما واقعا في البين فقوله لوقوعها بين طرفي افراط وتفريط بيان لوجه التشبيه الذي بناء الاستعارة عليه ثم اطلق للمتصف بتلك الخصال فكان هذا الاطلاق في المرتبة الثالثة تجوزا عن المجاز . قوله : مستويا فيه الواحد والجمع فإن أمة وهي جماعة قد وصفت هنا بوسطا وهو مفرد ولم يراع مطابقته لموصوفه حيث لم يقل أوساطا لكون وسطا مستعملا اسما فهو من قبيل الوصف بالاسم لا بالصفة على ما قال صاحب الكشاف وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء أي وصف بالاسم ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث وقد اجتمع في استعماله ههنا استواء الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لم يجمع مع كون موصوفه مجموع المعنى ولم يدخله التاء مع أن موصوفه بتاء التأنيث .