قوله : ( واستدل به على أن الإجماع حجة ) أي هذه الآية مما استدل به على أن الإجماع وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم في عصر على حكم شرعي حجة شرعية يستدل بها على حكم شرعي والأصح أنه لا بدّ له من مستند من القرآن أو الحديث أو القياس وتفصيله في فن الأصول .
قوله : ( إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم ) أي اختلت عدالتهم مع أن اللّه تعالى أخبر بعدالتهم وقبول شهادتهم ولا يمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى كل فرد فرد بل إلى كل جماعة فيراد جماعة يتحقق الإجماع بها وانثلمت بمعنى اختلت من الثلم بمعنى الخلل .
قوله : ( علة للجعل ) أي علة تحصيلية وأفعال اللّه تعالى وإن لم تكن معللة بالاغراض لكنها مشتملة على حكم ومصالح لا تحصى فاللام هنا مستعارة لها وقد يعبر عنها بلام العاقبة والمعنى
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] وعاقبة جعلنا إياكم وسطا كونكم شهداء على سائر الناس من معاصريكم وعلى الذين قبلكم وبعدكم وهذا مراد من قال وهي غاية مترتبة على الجعل المذكور .
قوله : ( أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج وأنزل عليكم من الكتاب ) نبه به على أن الشهادة مسبوقة بالعلم ولا يكفي مجرد العدالة والعلم بذلك يتوقف على القدرة على التأمل والتفكر أي جعلناكم أي خلقناكم أو صبرناكم أمة متصفة بالعدالة المتألفة من الخصال المحمودة التي هي الحكمة والعفة والشجاعة وبذلك كنتم مستعدين على الوقوف على الحقائق المودعة في الفرقان الحميد المبين وأحوال الأمم الخالية والآتية أجمعين وعلى الدقائق المركوزة في الآيات الآفاقية والأنفسية فتعلمون بذلك وتشهدون به على الناس أجمعين فقوله تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ
[ البقرة : 143 ] يدل على لتعلموا بالتأمل اقتضاء لهذا قال المص أي لتعلموا أو جعله علة للجعل قوله بالتأمل فيما نصب لكم من قوله : لانثلمت أي انكسرت من قولهم في السيف ثلم وفي الإناء إذ انكسر من شفته أو اختلت من الثلمة وهي الخلل وجه الاستدلال بالآية على ذلك هو صدور الاتفاق عن قوم عدول لا يتصور تواطؤهم على الكذب لما قال اللّه تعالى في حقهم
أُمَّةً وَسَطاً
أي عدولا مزكين قد عدلهم اللّه تعالى وزكاهم في كلامه المجيد وأي تعديل يساوي تعديل اللّه ويدانيه .
قوله : علة للجعل أي للجعل في قوله عز وجل :
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] أي جعلناكم عدولا من أهل الشهادة لتشهدوا يوم القيامة على الناس ولما لم تكن الشهادة إلا بعد العلم المشهود به الذي هو تبليغ الأنبياء رسالات اللّه إلى الأمم بحيث لم يبق لهم عذر في ذلك قدر رحمه اللّه ما يتوقف عليه شهادتهم هذه وقال أي لتعلموا بالتأمل إلى آخره فتشهدون بذلك فهذا كقولك أمرت بأن تصلي أي أمرت بأن تتوضأ فتصلي لأن ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب قوله فتشهدون بذلك كان الأولى أن يقول فتشهدوا لأنه معطوف على لتعلموا اللهم إلا أن يصار إلى الحذف والتقدير أي فأنتم تشهدون بذلك أو فحينئذ تشهدون .