إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه ) أو الصخرة عطف على قوله وهي الكعبة إشارة إلى الاختلاف في الجهة التي يتوجه عليه السّلام بمكة فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما وجماعة كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس فقوله إلا أنه كان الخ استدراك لبيان منشأ من قال إنه كان يصلي إلى الكعبة يعني أنه كان يجعل الكعبة بين نفسه وبين بيت المقدس فيقع التوجه أيضا فظن أن الجهة هي الكعبة فح من أين يعلم أن القبلة هي بيت المقدس حين تحقق التوجه إلى الكعبة أيضا مع أن كونها قبلة أبيه إبراهيم عليه السّلام وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان كما سيصرح به يؤيد كون القبلة الكعبة ولعل لهذا قال في التوضيح واعلم أنه عليه السّلام لما كان بمكة كان يتوجه إلى الكعبة الخ ولم يتعرض القول الآخر أصلا وسبب توجهه عليه السّلام إلى الصخرة وهو التأليف لليهود غير متحقق في مكة وفيه قول آخر وهو أنه عليه السّلام كان يصلي إلى بيت المقدس مطلقا وتضعيف بعضهم القول الأول بأن فيه من النسخ مرتين والأصح كون الجهة الصخرة مدفوع بما ذكرناه .
قوله : ( فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ ) لأن المراد من الجهة التي كانت عليها الكعبة وجعلها قبلة في المدينة ناسخ والمنسوخ التوجه إلى بيت المقدس فيكون الكتاب ناسخا للحديث فيكون حجة على الشافعي في عدم تجويز ذلك كما في التوضيح فتأمل .
قوله : ( وعلى الثاني الجعل المنسوخ ) وهو التوجه إلى البيت المقدس والناسخ التوجه إلى الكعبة وأنت خبير بأن الجعل الثاني كما يكون منسوخا يكون ناسخا أيضا على تقدير كون الكعبة قبلة في مكة قبل الهجرة ولعله لم يتعرض له إذ الكلام في القبلة بعد الهجرة وستجيء الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 144 ] .
قوله : ( والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك بيت المقدس
إِلَّا لِنَعْلَمَ
الآية ) والمعنى أي على الثاني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة لأنها قبلة أبيك وفيه إشارة إلى أن الراجح كون القبلة الكعبة قبل الهجرة وما جعلنا قبلتك في المدينة بيت المقدس ناسخا ذلك الجعل الكعبة لعلة من العلل إلا لتعلم .
قوله : ( إلا لنمتحن الناس ) أي الناس الموجودين حينئذ والمعنى إلا لتعاملهم معاملة الكعبة ويحتاج في بيان الجعل أن يقال
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها
أولا وهو بيت المقدس إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه عند التحويل إلى الكعبة .
قوله : وما جعلنا قبلتك بيت المقدس أي وما جعلنا قبلتك الآن بيت المقدس إلا لنعلم الآية .
قوله : إلا لنمتحن قد ذكر أن الامتحان والابتلاء في شأن اللّه تعالى مجازا أينما وقع شبهه بالامتحان بناء أمرهم على الاختيار ثم اطلق لفظ المشبه به على المشبه على الاستعارة ونعلم من يتبعك في الصلاة إشارة إلى أن الرسول في قوله تعالى عز وجل :
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
[ البقرة : 143 ] مظهر موضوع موضع المضمر لقوله تعالى :
كُنْتَ عَلَيْها
[ البقرة : 143 ] هذا على أن يكون المراد