مختلفان بالاعتبار فإن الأمة خير لكونهم آمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كما نطق به قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 110 ] الآية وعدل من حيث إنهم مزكون بالعلم والعمل فقوله « 1 » مزكين بفتح الكاف المشددة صفة كاشفة لها بمنزلة التفسير لها وإنما أخره مع أنه مناسب لكونهم شهداء لأن الخيار موافق لقوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
[ آل عمران : 110 ] الآية مع أنهما متحدان أو متلازمان والمراد بالعلم القوة النظرية وبالعمل القوة العملية فمن استكملها فقد صار حكيما وأوتي خيرا كثيرا ومن اتصف بأحدهما دون الآخر فقد خسر خسرانا مبينا وفي اختيار مزكين على الموصوفين بهما رعاية لكونهم من أرباب الشهادة وأهليتهم لها ثم هذا الوصف غير متحقق في جميع الأمة فهو من قبيل وصف الكل بصفة بعضهم وكذا الشهادة لمن جمع هذين الوصفين والمزكي من التزكية بمعنى باك كردانيدن ومنه قوله تعالى
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
[ التوبة : 103 ] لا من التزكية بمعنى ستودن خويشتن را إذ العدالة إنما تحصل بالمعنى الأول وأما المعنى الثاني فينا في العدالة لأن مدح نفسه بدون داع شرعي مذموم منهي قال تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
[ النجم : 32 ] الآية « 2 » بل مدح الغير أيضا ليس بممدوح ما لم يتحقق داع مقتضى له فظهر أن التزكية لا تختص بتزكية الشخص نفسه .
قوله : ( وهو في الأصل اسم المكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب ) وهو أي الوسط في الأصل أي في أصل اللغة يستوي إليه المساحة من الجوانب أي من كل جانب من الجوانب الأربعة كمركز الدائرة وأما الوسط بسكون السين فبمعنى بين يصدق على ما يصدق عليه الوسط بفتح السين وغيره مما بين الشيئين فهو أعم منه مطلقا .
قوله : اسم المكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب كمركز الدائرة فإنه اسم لما يتهيأ إليه الخطوط المتساوية من جانب الدائرة وهذا مكان معين ولذا يقال جلست في وسط المسجد بالتحريك ولا يقال جلست وسطه وأما الوسط بالسكون فمبهم أي موضع كان في داخل الدائرة ولذا يقال لست وسط الدار بحذف لفظة في وسبب نصب الفعل المبهم من المكان دون المبين منه هو دلالته التزاما على المبهم منه دون المعين فإن الفعل لا بد أن يقع في مكان ما فلما كان للفعل دلالة التزاما على مطلق المكان لا يعينه استغنى بذلك الارتباط المعنوي في تعلقه بمفعوله من راط خارجي وواسطة من حروف الإفضاء وأما نصب الفعل المبهم الزمان ومعينه بلا واسطة حرف فلكون الزمان جزء من ملوله فلقوة دلالته على الزمان مبهما كان أو معينا لم يحتج في وصوله إليه إلى رابط لفظي من الحروف المفيضة لمعاني الأفعال إلى الأسماء ولذا تراهم قالوا رأيته اليوم ورأيته يوما .
هامش
( 1 ) جمع مزكى كمصطفين .
( 2 ) وبهذا ظهر ضعف ما قيل ولأنه لا يستعمل إلا في تزكية الشخص نفسه قال اللّه تعالى :فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْالآية انتهى إذ الآية لا تقتضي ذلك غاية . إن تزكية النفس أشد شناعة من تزكية غيره وقد ورد في الحديث ذم تزكية الغير ومدحه .