أشد وأقوى من مؤمني الأمم السالفة لأن الدين الحق مشترك بين الأديان الحقة اشتراكا معنويا متفاوت قوة وضعفا « 1 » وناهيك قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
[ آل عمران : 110 ] الآية فكما أن الجعل المشبه مختص بنا كذلك الجعل المشبه به مختص بنا أيضا فيحسن التشبيه بأحسن التشبيهات وقوله وكان قبلة بعضهم أفضل القبل جوابه أن قبلة بعضهم إن كان المراد به الكعبة فلا يضرنا إذ المراد الأفضلية بالنسبة إلى الطائفتين كما عرفت وإن كان المراد بها غيرها فلاءم الأفضلية وإذا بان حسن مسلك المص « 2 » بما ذكر من التحقيق بأنوار التوفيق فينبغي أن يقال :
إذا قالت حزام فصدقوها * فإن القول ما قالت حزام
قوله : ( أي خيارا ) جمع خير خلاف الشر وهو المراد هنا وأما الخيار الذي هو اسم من الاختيار فلا يناسب هنا قيل وأما الخيار لنوع من القثاء فمولد الظاهر كما في الكشاف أن الوسط يكون بمعنى الخير مطلقا كما قالوا خير الأمور أوساطها فإن التوسط في الاعتقاد وفي الأخلاق وفي الأعمال خير وإنما قيل للخيار وسط لأن الأطراف يسارع إليه الفساد والوسط محمية في الأغلب وهذا في المحسوسات وكذا الحال في المعقولات والعمليات .
قوله : ( أو عدولا مزكين بالعلم والعمل ) قاله الجوهري والأخفش والخليل وقطرب وروى القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري عن النبي عليه السّلام أمة وسطا أي عدلا ويؤيده قوله عليه السّلام خير الأمور أوساطها أي أعدلها كذا قيل والكلام محمول على الأكثر الأغلب قال قدس سره في شرح المواقف إن الإفراط المذموم إنما يتصور في القوة العقلية العملية دون النظرية فإن هذا القوة أعني النظرية كلما كانت أشد وأقوى كانت أفضل وأعلى انتهى ولا خفاء في دلالته على ما ذكرناه فعلم أن الأوسط قد يكون دون الإفراط وإنما قيل للعدل وسط لأنه كميزان لا يميل إلى أحد الطرفين والمعنيان متحدان بالذات قوله : أي خيارا أو عدولا فسر معنى الوسط على كل من محتمل معناه فإنه إما من الواسطة التي هي المختار من الجواهر في نظم العقد قال الجوهري واسطة القلادة الجوهر الذي في وسطها وهو أجودها يقال فلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا قال الشاعر :
كأني لم أكن فيهم وسيطا * ولم تك نسبتي في آل عمرو
أو من الوساطة بمعنى الاستواء والاعتدال قال الجوهري الوسط من كل شيء أعدله واستشهد عليه بقوله تعالى :
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] وقال أي عدلا وفي الكشاف أمة وسطا خيارا وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث وقيل للخيار وسط لأن الأطراف تتسارع إليها الخلل والأعوار والأوساط محمية محوطة .
هامش
( 1 ) وفي شرح المنار لابن ملك الدين مقول على الأديان الحقة بالاشتراك المعنوي بالتشكيك لأن بعض الأديان أشد من بعض كيفية وكمية .
( 2 ) وفي اختيار المص لطف عجيب حيث جعل كونهم مهديين وجعله مشبها به وهو الوسط بين الإفراط والتفريط كما أن الجعل المشبه كذلك .