يعقوب عليه مع أن عطف وصى على ما قال له ربه يقتضي الضمير فالعدول إلى الظاهر يرجح كون المرجع ملة إبراهيم فإنه لما قيل أولا
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ
ثم قيل ثانيا
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ
يتبادر منه كون الضمير راجعا إلى الملة .
قوله : ( أو لقوله أسلمت على تأويل الكلمة أو الجملة ) إذ الكلمة تطلق على الجملة كما تطلق على المفرد وعن هذا قال أو بتأويل الجملة فالترديد في العبارة فحينئذ يعطف وصى على
قالَ أَسْلَمْتُ
[ البقرة : 131 ] الآية فالمعنى ذلك في حق نفسه ووصى به بنيه بأن يذكروه حكاية عن أنفسهم وقالوا أسلمنا لرب العالمين وعلى هذا يكون يعقوب منصوبا معطوفا على بنيه وجه صحته مع ضعفه كون الموصى به مطابقا في اللفظ لأسلمت وقرب المعطوف عليه لما عرفت من أنه حينئذ عطف على قال أسلمت أي لم يكتف بقوله أسلمت حين قال له أسلم بل ضم إليه التوصية تنبيها على أن الأمر له أمر شامل لهم لأنه إمام للناس والاكتفاء بالتوصية لبنيه لأنهم أحق بالشفقة ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم سائر الناس كما نبه عليه سابقا لكن التوصية بالملة مآلها التوصية بالقول أسلمنا وبالعكس فالرجحان للأول لما ذكر « 1 » قيل وهذا باعتبار الحكاية إن كان معنى قال أسلمت نظر أو عرف أي على طريق التمثيل أو باعتبار المحكي أي كون قال أسلمت في معنى نظر أو عرف لا ينافي تكلمه بهذه الكلمة ظاهرا فلا إشكال بأنه قد ثبت أن هذا القول مجاز عن النظر والمعرفة فكيف يرجع الضمير بالتأويل المذكور وإن أريد بقوله أسلمت الإذعان والإخلاص فرجوع الضمير إليه بالتأويل المذكور باعتبار المحكي فلا إشكال أيضا ولو قيل إنه عود الضمير إلى اللفظ مع الاختلاف في المعنى حقيقة أو مجازا بطريق الاستخدام لم يبعد .
قوله : ( وقرأ نافع وابن عامر أوصى والأول أبلغ ) لدلالته على الاعتناء بشأنها حيث دل صيغة التفعيل على التكثير في الفعل والتكثير يشعر الاهتمام وهو المراد هنا إذ لا يراد التكثير في مثل هذا وإن أمكن في نفسه .
على الكلام الأسبق وكون الضمير للملة وكذا عطف ويعقوب على إبراهيم وذلك لأن وضع المظهر موضع المضمر وعطف يعقوب عليه يدل على أنه شروع لكلام آخر لبيان تواصي الأنبياء باستمساك الدين الحق الجامع لجميع أحكام الأصول والفروع ليتوارثوا الملة القويمة والشرع المستقيم نسلا بعد نسل وذلك يقتضي أن يعود الضمير في بها إلى الملة ويرشدك إلى أن العطف يرجح رجع الضمير إلى الملة ذكر يعقوب في توصيته لبنيه الدين وهو بمعنى الملة قال
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
ولم يقل إن اللّه اصطفى لكم الإسلام ولو كان الضمير راجعا إلى قوله
أَسْلَمْتُ
[ البقرة : 131 ] لكان الأنسب أن يقال
قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
ووصى بها هو بنيه ويعقوب أن اللّه اصطفى لكم الإسلام .
قوله : والأول أبلغ وجه كونه أبلغ هو دلالته بالصيغة على التكثير وتوصيته بها مرارا كثيرة .
هامش
( 1 ) من أنه لا يحتاج إلى التكليف الذي احتيج إليه في الإرجاع إلى قوله أسلمت كما عرفت من الإشكال ودفعه .