وظرف لقوله :
قالَ أَسْلَمْتُ
[ البقرة : 131 ] فح لا يصح كونه ظرفا لاصطفيناه ولا تعليلا له ولا منصوبا بالذكر مع أنه في صدر توضيح كونه منصوبا باذكر إلا أن يقال إنه إشارة إلى احتمال آخر في إذ لكنه بعيد لما ذكرناه أو هذا حاصل كونه استئنافا إذ قد عرفت إن قال أسلمت استئناف .
قوله : ( وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام ) عطف تفسيري لقوله دعاه ربه فإذا جعل عطف تفسيري له اندفع الإشكال المذكور فإنه ح لا يكون قوله حين دعاه ربه ناظرا إلى قوله تعالى :
قالَ أَسْلَمْتُ
[ البقرة : 131 ] بل يكون عبارة عن الأخطار المذكور وفيه إشارة إلى أنه عبر عن الأخطار الدلائل المؤدية إلى المعرفة بحسب العادة وإذعانه أي قبوله بمدلولاتها بالقولين تصوير السرعة الإجابة ويقرب منه ما قيل إن قوله أسلم مجاز عن الإلهام وإخطار دلائل التوحيد بباله وتمكينه من النظر وأن قوله عليه السّلام أسلمت مجاز عن النظر والمعرفة على منوال قوله تعالى :
كُنْ فَيَكُونُ
[ البقرة : 117 ] فهو إشارة إلى استدلاله عليه السّلام بالكواكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارات الحدوث على ما عليه أكثر المفسرين من أنه قبل النبوة وقبل البلوغ فأمر إبراهيم عليه السّلام في حال صباوة بإحداث الإيمان والإسلام حقيقة غير مستقيم عند الأشاعرة إذ لا تكليف على الصبي ولذا حمل المص على الاستعارة « 1 » التمثيلية وكذا صاحب الإرشاد حيث قال وليس الأمر حقيقة بل هو تمثيل والمعنى أخطر بباله دلائل التوحيد الخ ويؤيده قوله
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ
[ الأنبياء : 51 ] أي في صغره قبل بلوغه حين كان في السرب وظهرت له الكواكب فاستدل بها كذا قاله الإمام في تفسير هذه الآية وأما من قال إنه بعد النبوة فقال المراد منه الأمر بالإطاعة والإذعان بجزئيات الأحكام وإنما لم يحمل على الحقية أعني إحداث الإسلام والإيمان لأن الأنبياء عليهم السّلام معصومون عن الكفر قبل النبوة ولأنه لا يتصور الوحي والاستنباء قبل الإسلام والحاصل أن الأمر على حقيقته لكن المراد بالإسلام لازمه مجازا وهو الإطاعة ومن قال إنه بعد النبوة هل يقول إنه بعد البلوغ أو قبل البلوغ والظاهر بعد البلوغ ويحتمل قبل البلوغ كما روي عن مقاتل أشير إليه في التفسير الكبير في المؤدي إلى الإسلام وقول إبراهيم عليه السّلام
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
مجاز عن معرفته لوجوه الإسلام التي هي نتيجة النظر الصحيح الذي أخطر اللّه تعالى بباله ولا أمر هناك ولا جواب كما مر في
كُنْ فَيَكُونُ
من أنه عبارة عن تعلق إرادته تعالى وقدرته بالمقدور عن سرعة حصول المقدور بعد تعلقهما به يرشدك إليه كلام الكشاف حيث قال ومعنى قال له أسلم أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام فقال أسلمت أي فنظر وعرف أقول أنت قد عرفت في تفسير
كُنْ فَيَكُونُ
وهو الحق فيه من غير تكلف ارتكاب للمجاز .
هامش
( 1 ) كما حمل في قوله تعالى :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ الأعراف : 172 ] وأيضا حمل قوله تعالى :وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ[ الأنفال : 48 ] الآية .