أو لا وسواء كان ذلك التقدم بالقول أو الدلالة وما نقل عن الراغب من أنه قال التوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم أرض واصية أي متصلة النبات فهو مقتض لتخصيصها بالقول وأيضا يقتضي تخصيصها بما هو من شأنه أن يعمل الموصي وكلام المص ساكت عن هذا القيد والظاهر أنه لا بدّ منه الآن يقال أشار إلى هذا بقوله كان الموصي الخ .
قوله : ( وأصلها الوصل يقال وصاه إذا وصله وفصاه إذا فصله ) أي أصل التوصية الوصل في أصل اللغة يقال وصاه الخ بيان لكون أصلها الوصل قوله وفصاه إذا فصله من الثلاثي لمزيد الكشف والتوضيح إذ الأشياء تنكشف بأضدادها فالتفعيل « 1 » بمعنى الثلاثي في كلاهما .
قوله : ( كان الموصي يصل فعله بفعل الوصي ) بيان وجه المناسبة بين أصل اللغة وعرف اللغة إذ معنى التقدم إلى الغير معنى لغوي لها أيضا لكنه معنى في عرف اللغة والأول معنى في أصل اللغة وإنما قال كان لأنه لا يصل فعله بفعل الوصي حقيقة بل يفعل شيئا من شأنه أن يفعل الموصي لو كان الموصي حيا أو حاضرا ثم اتسع فاستعمل في التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح ديني أو دنيوي وإن لم يكن ذلك الفعل فعل الموصي أو من شأنه أن يفعل وأشار إلى ذلك بقوله إلى التقدم إلى الغير أولا وبقوله كان الموصي يصل فعله آه ثانيا فمجموع ما ذكرناه منفهم من مجموع كلامه وتوصية إبراهيم عليه السّلام بنيه ويعقوب من قبيل التقدم إلى الغير يفعل فيه صلاح فإن كونهم على الإسلام حين موتهم فعلهم لا فعل إبراهيم عليه السّلام ثم نقل في اصطلاح الفقهاء إلى معنيين أحدهما مستعمل باللام والآخر مستعمل بإلى أما معنى الثاني فهو تفويض التصرف في ماله ومصالح أطفاله إلى غيره بعد موته وأما معنى الأول فجعل الغير مالكا لماله بعد موته قوله يصل فعله إلى آخره ولم يتعرض للقول إما لتعميم الفعل إليه أو من باب الاكتفاء .
قوله : ( والضمير في بها للملة ) قدمه لخلوه عن التكلف ولإظهار إبراهيم وعطف قوله : والضمير في بها للملة في قوله عز وجل :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
[ البقرة : 130 ] أو لقوله
أَسْلَمْتُ
[ البقرة : 131 ] على تأويل الكلمة على نحو رجوع الضمير في قوله سبحانه
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً
[ الزخرف : 28 ] إلى قوله
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
[ الزخرف : 26 ، 27 ] فإن قوله
كَلِمَةً باقِيَةً
[ الزخرف : 28 ] يدل على أن تأنيث الضمير في جعلها إنما هو بتأويل الكلمة قبل هذا غير لازم لجواز أن تأنيث الضمير لكون براء بين مذكر ومؤنث لا يكون لفظه أنني براء في تأويل الكلمة لكن رجعه إلى مضمون قوله
قالَ أَسْلَمْتُ
[ البقرة : 131 ] بتأويل الكلمة أولى لقربه ولأن قوله ووصى عطف على قال والمعنى قال ذلك في حق نفسه ووصى بها بنيه وقيل ترك المضمر إلى المظهر أعني إبراهيم ربما يرجح العطف
هامش
( 1 ) والبعض ذهب إلى أن وصاه بالتخفيف من حد ضرب وكذا فصاه ولا يخفى أنه خلاف سوق كلام المص .