قوله : ( وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ ) سواء كان في جهة القبلة أو غيرها بعد بذل الوسع .
قوله : ( لم يلزمه التدارك ) لأنه أتى بما هو الواجب عليه بالنظر إلى وسعه وقدرته وفي الهداية أنه قال وقال الشافعي يعيدها إذا استدبر لتيقنه بالخطأ قيل ما في البيضاوي مذهب البعض وما في الهداية مذهب جمهورهم فلا منافاة ونحن معاشر الحنفية نقول ليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري والتكليف مقيد بالوسع ولأن العمل بالدليل الظاهر واجب عند انعدام دليل فوقه قيل معنى قول المص لم يلزمه التدارك لم يرد به أنه لا يلزمه الرجوع عن اجتهاده الأول لأن الرجوع واجب عليه إذا لولاه لصار مضلا للمسلمين على اجتهاده الثاني بل أراد أنه لم يلزمه الرجوع عن أحكامه المبنية على اجتهاده الأول « 1 » اتفاقا أقول لأن الاجتهاد الثاني بمنزلة دليل النسخ وأثر النسخ يظهر في المستقبل لا في الماضي وفي جمع المص بين الاجتهاد في القبلة وبين الاجتهاد في المسألة والخطأ فيهما نوع ركاكة إذ في الخطأ في الاجتهاد في المسألة بحث طويل لا يليق بهذا المقام .
قوله : ( وقيل هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة ) قيل وهذا ظاهر لأنه إذا كان محيطا بكل جهة فله أن يرتضي ما شاء منها وتبديل التوجيه إليه يدل على أنه ليس من جهة إذ لو كان لوجب التوجه لها وقيل هذا أصح الأقول لأنه روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنها نزلت لما قالت اليهود ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وفيه نظر انتهى لعل وجهه أنه على هذا تكون الآية على عمومه غير مختصة بحال السفر أو حال التحري ولم يعرف أن ذلك اتخذه أحد مذهبا أو وجهه أنه لا يخلو إما أن يفسر الوجه بالذات وعلى هذا التقدير لا يصح أن يقال وجه اللّه في كل مكان وإما أن يفسر بالعلم فلا يلائم قوله وتنزيه للمعبود الخ والمراد بنسخ القبلة تحويل القبلة إلى الكعبة من البيت المقدس وهذا يدل على أن اشتباه القبلة على القوم قبل تحويل القبلة إلى الكعبة وكون هذا توطئة للنسخ ظاهر فإنه لما كان كل الأرض وجميع الجهات للّه تعالى ولا فرق بين جهة وجهة كما لا فرق بين أرض وأرض أمر اللّه تعالى بالتوجه إلى أي جهة شاء على مقتضى حكمته وتعلق إرادته ثم اختلفوا على هذين القولين في أينما هل هو مفعول به لتولوا أو هو ظرف له كما في الأول وميل كلام المص إلى الأول لكن نقل عن النحرير التفتازاني أنه لم يقل به أحد من أهل العربية وإن أمكن المناقشة بأنه إن ادعى الاستقراء الناقص فلا يفيده وإن ادعى الاستقراء التام فإثباته مشكل .
هامش
( 1 ) نقل عن صاحب جمع الجوامع من الشافعية أنه قال لكن ليس هذا الأصل على كلته بل استثنوا منه ما كان حكم الأول مخالفا للنص أو ظاهر جلي ولو قياسا أو ما كان مؤدى الحكم الثاني حرمة الأول كما لو تزوج بغير ولي باجتهاد منه يصححه ثم تغير اجتهاده إلى بطلانه فالأصح تحريمها عليه لظنه الآن البطلان انتهى ولا يخفى عليك أنه إن أراد بتحريمها تحريمها عليه فيما يستقبل فلا كلام فيه لما عرفت من أن الاجتهاد الثاني بمنزلة دليل النسخ وأثر النسخ يظهر في المستقبل لا في الماضي وإن أراد تحريمها عليه فيما مضى عليه فغير صحيح لما عرفت فهذا الأصل الكلي ثابت على كليته بلا استثناء .