تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
تلك الآية في شأن من خرب بيت المقدس والمنع من الصلاة فيها بتخريبها ولو قدم هذا لكان أولى . قوله : ( فقد جعلت لكم الأرض مسجدا ) أي جعلت الأرض كلها مسجدا خاصة لكم وفي الحديث الصحيح جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال القاضي عياض من خصائص هذه الأمة لأن من قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته وقال القرطبي هذا مما خصه بنبيه عليه السّلام وكانت الأنبياء عليهم السّلام إنما أبيحت لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس انتهى . لكن هذا إذا كان في السعة وأما في وقت الضرورة فيباح لهم الصلاة في غير البيع والكنائس وقد كان عيسى عليه السّلام يسيح في الأرض يصلي حيث أدركته الصلاة وموضع الضرورة مستثنى من عموم القواعد وقول البعض إن المخصوص به المجموع وهو باختصاص جزأيه وهو كون الأرض طهورا وأما كونها مسجدا فلم يأت في أثر أنه منع منه غيره ضعيف أما أولا فلأن ذلك من خصائصه عليه السّلام حيث قال عليه السّلام أعطيت خمسا الحديث وعد منها جعل الأرض مسجدا وأما ثانيا فلأنه لا وجه للجمع بين ما هو مخصوص وما ليس بمخصوص به عليه السّلام وإنما لم يقتصر على ذكر المسجد الحرام فإن المسجد الأقصى قد منع المسلمون عنه في وقعة استيلاء الإفرنج فيكون في الآية إخبار بالغيب . قوله : ( ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة ) وفي تصريح لفظة في إشارة إلى أن أينما ظرف لقوله تولوا ومفعولا تولوا محذوفان وهما وجوهكم شطر القبلة قوله فعلتم التولية تصوير المعنى لا لجعله منزلا منزلة اللازم كما كان كذلك في أكثر المواضع بقرينة ذكر شطر القبلة ولم يذكر وجوهكم لظهور أن التولية لا تكون إلا الوجه وفي الكشاف يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 144 ] الآية وقيل التولية منزل منزلة اللازم لأن مفعوله أعني وجوهكم غير منوي ولا يخفى ضعفه وقال منلا خسرو فمفعولا تولوا محذوفان فلا دلالة في الكلام على جواز التوجه إلى أي جهة كانت انتهى . إلا أن يحمل على صلاة المسافر على الراحلة أو على من اشتبهت عليه القبلة كما سيجيء . قوله : ففي أي مكان فعلتم التولية فسر تولوا على تنزيله منزلة الفعل اللازم وجعل مفعوله وهو وجوهكم متروكا غير منوي نحو فلان يعطي ويمنع أي يفعل الاعطاء والمنع وفي الكشاف ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة : 144 ] فقوله يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بيان لأصل المعنى لا بيان لقوله فعلتم التولية لأن التولية المذكورة في الآية فعل منسي المفعول مجرى مجري اللازم قال الإمام ولّى إذا أقبل ولى إذا أدبر وهو من الأضداد ومعناه ههنا الإقبال .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 161 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر