المص فليس بتام أيضا لأنه صرح في أواخر آل عمران أن النفس لا تتوقف على الهيكل المحسوس إدراكه وتألمه والتذاذه فالظاهر ما نقل عن المص في توجيه ذلك حيث قال لأنه إزالة النفس الإنساني من بدن شخص إلى آخر والنفس يسمى صورة لأنها مبدأ الآثار المختصة انتهى والمص كثيرا ما يتمشى على مصطلح الفلاسفة فلا وجه للاعتراض بأن الصورة ليست هنا بمعنى مبدأ الآثار المختصة كيف وهو مصطلح الفلاسفة نعم التناسخ بهذا المعنى باطل والتعرض له ليس بمستحسن فالأوجه كون التناسخ بمعنى « 1 » المناسخة في الميراث كما اختاره البعض .
قوله : ( ثم استعمل لكل واحد منهما كقوله نسخت الريح الأثر ) أي للإزالة فقط وللإثبات فقط قوله كقولهم يؤيد ذلك لأن نسخ الريح الأثر إزالة فقط بلا إثبات ( ونسخت الكتاب ) بالعكس فإنه نقل من نسخة إلى الأخرى بدون إزالة في الأول بالكلية وإن كان إزالة الصورة الكائنة في النسخة الأولى فإرجاع ضمير التثنية إلى المعنى الأول والثاني أي النقل ضعيف وقد عرفت أن النقل لم يوجد في بعض النسخ هذا غاية توجيه كلامه وبعد لا يخلو عن كدر وخطر .
قوله : ( ونسخ الآية ببيان انتهاء التعبد بقراءتها ) وأما ما قيل في تعريفه في الأصول هو قوله : ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو الحكم المستفاد منها أو بهما جميعا أي نسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها مع بقاء حكمها مثل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما روى البخاري ومسلم ومالك والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس عن عمر رضي اللّه عنه وهو على منبر يخطب ويقول إن اللّه بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان مما أنزل اللّه عليه آية الرجم فقرأناها ورعيناها ورجم رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب اللّه فيضلوا بترك فضيلة أنزلها اللّه تعالى في كتابه فإن الرجم في كتاب اللّه حق على من زنى إذا أحصن من الرجل والنساء وأيم اللّه لولا أن يقول الناس زاد في كتاب اللّه لكتبتها وفي رواية مالك وابن ماجة وقد قرأتها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما قال الإمام وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما يروى عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال كنا نقرأ آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم وأما التي نسخ حكمها دون قراءتها فكثيرة في القرآن منها ما أمر اللّه تعالى المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا وذلك في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
[ البقرة : 234 ] وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشرا كما قالو الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشراو منها ما أمر اللّه تعالى بثبات الواحد للعشرة
هامش
( 1 ) ويؤيده قول النحرير في التلويح النسخ في اللغة الإزالة يقال نسخت الشمس الظل أي أزالته والنقل يقال نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه إلى آخر ونسخت النحلة نقلتها من موضع إلى موضع ومنه المناسخات في المواريث لانتقال المال من وارث إلى وارث غاية الأمر أن المص عبر بالتناسخ ولا ضير فيه بعد ظهور المراد .