تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
الراغب النسخ إزالة شيء بشيء يتعقبه كنسخ الشمس الظل ونسخ الظل الشمس والشيب الشباب فتارة يفهم منه الإزالة وتارة يفهم منه الإثبات وتارة يفهم منه الأمران ومنه علم أن التعبير بالصورة بناء على التسامح ألا يرى أنه قال ومنه التناسخ فإنه عبارة عن انتقال النفس من بدن إلى بدن ولا صورة هنا وإن سلم تحققها في نسخ الظل الشمس وبالعكس والظل هو الضوء الحاصل في الجسم من مقابلة المضيء لغيره كالضوء الحاصل على وجه الأرض حال الأسفار وعقيب الغروب فإنه مستفاد من الهواء المضيء فلا يوجد إزالة الصورة فيه بل من إزالة لفظها وحكمها معا ومن إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل نأت باية خير منها للعباد أي بآية العمل بها أكثر للثواب واعترض عليه بأن ذلك لو كان معناه كان قوله إبدال أخرى مكانها داخل في الشرط وهو معنى الجزاء وبأن قوله
أَوْ نُنْسِها
[ البقرة : 106 ] عطف على الشرط وجزاؤهما واحد وهو قوله
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
[ البقرة : 106 ] أو مثلها وهو يدل على أنه لا بد للنسخ من بدل خير أو مثل وهو ينافي قوله ونسوها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل وأجيب بأن ذلك ليس تعريفا لنسخ الآية حتى يدخل في مفهومه وإنما هو بيان حاصله فإن معنى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ما نزيل منها وهو قد يكون ببدل خير أو مثل وقد يكون بلا بدل فيتناول الأقسام مما كان ببدل أشق أو غيره وما كان بلا بدل قال بعض الفحول في الجواب عن الثاني إن اتيان آية عقيب آية أخرى لا يلزم أن يكون على طريقة الإبدال بل أعم من أن يكون على طريق البدلية أو على سبيل الابتداء فإنه لو انحصر في البدلية لم يكن في القرآن آية لا تكون على طريق البدلية إلا آية أنزلت في أول الوصلة والحاصل أن معنى الإذهاب إلى بدل أن يشتمل على تبديل الحكم المنسوخ وبيان لانتهائه والآية المأتي بها لا يلزم أن تكون كذلك كما لو أذهب آية الرجم مثلا وآية بآية توجب الزكاة أقول لفظ خير منها ولفظ مثلها يدلان على أن للآية المأتي بها مناسبة ما للآية المنسوخة والمنسوءة ولو كان ذلك تناسب التضاد والتقابل في الحكم فدل ذلك على أن الآية المأتي بها بعد نسخ الأولى ونسوها بدل من الآية منسوخة والمنسوءة فعلى هذا كيف يصح أن يقال الآية المأتي بها لا يلزم أن تكون بدلا من الأولى فحق الجواب ما ذكر أولا وذهب بعضهم إلى أن في كلام الكشاف لفا ونشرا فإن قوله
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
متعلق بقوله
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
والمأتي به في المنسوخ خير أبدا وقوله أو مثلها متعلق بقوله أو ننسها والمأتي به في المنسوء مثل أبدا وقال هذا يشعر به لفظ الكشاف من غير تعسف وهذا كما ترى دعوى بلا دليل وقال في قوله بإبدال أخرى وقوله باية أخرى خير منها للعباد ما يشعر بأن نسخ الكتاب بالسنة لا يجوز وهذا المنقول عن الشافعي وقدماء أصحابه وقالوا في الآية دلالة على أن الناسخ يكون خيرا أو مثلا والسنة ليست كذلك والضمير في نأت للّه فيكون الآتي بالناسخ هو اللّه تعالى وأجيب بثلاثة وجوه الأول أنه لا دلالة فيها على الناسخ لأن جملة ما ننسخ شرطية وهي لا تقتضي وجود المقدم كما في قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
[ الزخرف : 81 ] الثاني أن المراد الخير في الحكم لأن نظم القرآن ليس بعض ألفاظه خيرا من بعض والمنازع مكابر ويجوز أن يكون الحكم الثابت بالسنة خيرا من الثابت بالكتاب مصلحة أو لزيادة ثواب اشتمل به الثالث أن معنى الآية ما ننسخ نحن نأت بخير وأما إذا كان الناسخ هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فليس له في الآية تعرض أو يقال يصح اطلاق قوله نأت على ما أتى به الرسول أيضا من عند اللّه لقوله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 ، 4 ] .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 110 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر