تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
الكيفية كما أن الوجه الأول ناظر إلى أخذ الزيادة باعتبار الكمية ولقد أصاب حيث قدم ما هو المأخوذ باعتبار الكمية لكونه مأخوذا أولا وآخر ما هو المأخوذ باعتبار الكيفية لذلك وذكر ما هو خارج عنهما فيما بينهما والمراد بجلائل النعم عظيمها كالعقل والفهم وما هو وسيلة إلى نيل السعادة العظمى ( وأصولها ) كالوجود والحياة ونحوهما وخرج منهما ما دون ذلك وإن كان في حد ذاتها عظيما وجسيما ( فذكر الرحيم ليتناول ) النعم المستحقرة بالنسبة إلى النعم المستعظمة ( ما خرج عنها ) ( فيكون كالتتمة والرديف له ) دفعا للتوهم فإنه لما دل الرحمن على جلائل النعم حين أخذت الزيادة باعتبار الكيفية ربما يتوهم أن حقائر النعم ودقائقها لا تستند إليه تعالى لحقارتها فأزيل ذلك التوهم بذكر الرحيم الدال على دقائقها وإنما اختير طريقة التتميم على الترقي الذي يقتضيه القياس لأنه المناسب للمقام لأن الملتفت إليه في مقام الكبرياء جلائل النعم فيقتضي ذلك ذكر الرحمن أولا لدلالته على جلائل النعم فكان مقتضى الحال بمعونة ذلك تقديم الرحمن فلما قدم جاز التوهم المذكور فدفع بذكره وتمام الدليل يتوقف على ملاحظة ما ذكرنا وإلا فيقال ما الداعي إلى اختيار هذا الطريق المؤدي إلى ما ذكر من التوهم المذكور الدقيق وقد ذكرنا أن الأبلغ إذا لم يكن مشتملا على مفهوم الأدنى جاز الأمر أن الترقي والتتميم نظرا إلى مقتضى الحال ومقتضى الحال هنا ما ذكرناه والنكتة ههنا ما ذكرنا والمراد بالتتميم معناه اللغوي ولو قال كالتكميل لكان على اصطلاح أرباب المعنى وإنما قال كالتتمة لأن أصل التتمة ما يكون متمما للأول وهنا ليس كذلك بل لدفع وهم فيكون كالتتمة له . قوله : ( أو للمحافظة على رؤوس الآي ) جمع آية والمراد بالرؤوس الأواخر فإن آخر كل شيء رأس له من ذلك الطرف لا من حيث إنه آخر بل من حيث إنه أول من ذلك مشتمل على مفهوم الشجاع وزيادة وذلك أنه لو قدم الأعلى لم يكن لذكر الأدنى بعده فائدة وأما الرحمن والرحيم فهما نوعان متباينان لا يشتمل أحدهما على الآخر فالقياس يقتضي تقديم الأعلى لكونه أشرف وذكر الأدنى بعده للتتميم هكذا قيل أقول لا يلزم في الترقي أن يكون الأعلى مشتملا على مفهوم الأدنى فإنه إذا قيل الرحيم الرحمن يحصل الترقي لكن لما كان المقام مقام أن تلتفت أولا إلى عظم نعم اللّه التي أنعمها على عباده قدم الرحمن ثم ذكر الرحيم بعده على سبيل التتميم وقيل تقديم الرحمن على الرحيم من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى فإن الرحيم أبلغ من الرحمن . لأن فعيلا لا يجيء إلا من الأفعال الغريزية كشريف وكريم وفعلان يجيء من الأفعال المتجددة ورد بأن ذلك يجيء من باب فعل بالضم وهذا من فعل بالكسر على أن الرحيم ليس بمشتمل على مفهوم الرحمن . قوله : أو للمحافظة على رؤوس الآي هذا بناء على أن التسمية آية من الفاتحة والمراد بالمحافظة محافظة صيغ ما في رؤوس الآي لا هي مع رعاية موافقة الحرف الأخير لأن الحرف الأخير في بعضها ميم وفي بعضها نون وصاحب الكشف لم يستحسن أن يكون هذا التعليل وجها مستقلا في تأخير الرحيم غير كونه ممدا للوجه المستقل حيث قال والتعليل برعاية الفاصلة قصور نعم يحسن ممدا .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 149 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر