الذي ذكره هنا « 1 » ثم إنه قيل وقد ذهب السكاكي إلى أن المخصوص به تعالى هو المعرف باللام دون المنكر والمضاف لوروده لغيره في اللغة فعلى هذا قولهم لمسيلمة رحمان الدنيا ليس من غلو الكفر فقط بل بحسب اللغة وبعضهم ذهب إلى أنه مخصوص به تعالى مطلقا معرفا أو منكرا مضافا أو غيره بدليل عدهم القول المذكور من غلو الكفر مع أنه مضاف .
قوله : ( فهو مستعيض ) بالعين المهملة أي طالب العوض وأما الفاء فلا تناسب هنا وطلب العوض إما بجلب نفع أشار إليه بقوله يريد به جزيل ثواب من الحق في العقبى أو من الخلق في الدنيا كمن وهب المال القليل لاستجلاب النفع الكثير أو جميل ثناء أي الثناء الجميل في الدنيا والصيت الحسن بين الأقران والتفوق على الإخوان أو بدفع ضر كما أشار إليه بقوله أو يزيح عطف على يريد رقة الجنسية أي ألم رقة الجنسية يعني يرق قلبه ويتأثر بما يشاهده من احتياج أبناء جنسه وشدة حالهم وضيق معاشهم فيزيل ذلك الألم عن نفسه بإحسانه فيستريح وهذه الحالة من مكارم الأخلاق وشيم الكرام فلما توجد في الليام ودفع الألم والحزن عن نفسه غرض صحيح وعوض تام ( بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو يزيح أنفة الخسة أو حب المال عن القلب ) أي يزيل حب المال فإن إزالة حب المال الذي هو رأس كل خطيئة من معالي الأمور ومال إليه الصدور وفي بعض النسخ أو يزيح أنفة الخسة أي عارها والاستنكاف منها فإن من يمسك ماله عن فقير يستحقه يعد خسيسا ولئيما وإن أعطى جاها عظيما .
قوله : ( ثم إنه كالواسطة في ذلك ) شروع في بيان عدم كون غيره تعالى منعما حقيقيا بعد بيان كونه منعما بالغا في الإنعام غايته ولما كان في انتفاء كونه منعما حقيقيا مبالغة إذ كونه منعما بالغا في الإنعام غايته أي بلا عوض يتوقف على كونه منعما حقيقيا دون العكس ترقى في النفي فقال ثم إنه كالواسطة ومن هذا ظهر وجه تأخير بيانه مع أن السوق يقتضي تقديمه وإنما قال كالواسطة لأن الإيصال إلى المستحق كسب العبد وإن كان خلق الرب والفعل ينسب إلى كاسبه حقيقة حتى تكون نسبته إلى الخالق فيما يتحقق فيه الكسب شبهة مجازية إلا أن الإيصال المكسوب للعبد لما توقف على أمور مخلوقة للّه تعالى بلا مدخلية العبد صار كأنه واسطة في ذلك الإيصال .
قوله : ( لأن ذات النعم ) أي حقيقتها ( ووجودها ) الخارجي أي ماهية النعم باعتبار الوجود بمعنى أنها متصفة بالوجود من خلقه تعالى فليست ماهية النعم كسائر الماهيات
هامش
( 1 ) قيل تحقيقه أن الرحمن كما عرفت صيغة أريد بها الغاية أي لغرض وصيغة مبالغة أبلغ من الرحيم والأولى تقتضي أن تدل على ذات ومعنى يقوم به والثانية تقتضي أن يكون ذلك المعنى في نفسه بالغا نهاية المرتبة وإلا لم يكن أبلغ من الرحيم وأن يكون قيامه به وانتسابه إليه بطريق الحقيقة بحيث لا يشوبه شائبة تجوز وتوسط غير انتهى قوله وإلا لم يكن أبلغ الملازمة ممنوعة إذ ابلغيته من الرحيم بطريق الكمية أو بطريق الكيفية كما قرره المص وعدم كون ذلك المعنى في نفسه بالغا نهاية المرتبة لا يستلزم انتفاء الأبلغية على أن الأبلغية لو اعتبرت بهذا الوجه لاستغنى عن بيان أبلغيته من الرحيم كما أو كيفا .