قوله : ( من حيث « 1 » إنه لا يوصف به غيره ) فيناسب مقارنته للفظة اللّه .
قوله : ( لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره لأن من عداه ) أي إن ذلك ليس لمجرد الاستعمال بل لمانع معنوي وهو أن معناه المراد هنا مشتمل أمرين كونه منعما حقيقيا موجبا للنعم بأسرها وبلوغه في الإحسان غايته وفي الرحمة نهايتها وهو كونه بلا عوض ولا لغرض كما أشار إليه بقوله لأن من عداه مستعيض الخ . وفيه بحث لأنه قد بين أولا أنهما اسمان بنيا للمبالغة ثم صرح ثانيا أن الرحمن أبلغ وبين وجه أبلغيته كما وكيفا فما ساقه هنا إن أراد به أن الرحمن كذلك في اللغة فغير مسلم بل معناه ذات متصفة بالرحمة على وجه المبالغة وكذا معنى الرحيم وإن تفاوتا كما وكيفا كما قرره فالمبالغة لا تدل على كون المنعم حقيقيا ما لم يعتبر كونه وصفا له تعالى وإذ اعتبر ذلك فلا فرق ح بين الرحمن والرحيم إذ الرحيم أيضا إذا لوحظ كونه وصفا له تعالى يكون معناه كذلك إذ المفهوم الكلي من الصفات يتفاوت تحققه بالنسبة إلى موصوفه فإذا قيل اللّه الرحيم يكون معناه المراد المنعم الحقيقي البالغ « 2 » في الرحمة غايتها إلى آخر ما ساقه فالتفرقة بينهما بهذا الاعتبار مشكلة جدا فإنه تعالى منعم بلا عوض ولا غرض سواء عبر عنه بالرحمن أو بالرحيم والقول بأنه إنما يستفاد ذلك إذا عبر بالرحمن دون الرحيم ليس بشيء بل إذا عبر عنه بالراحم يفهم منه أيضا كونه بلا عوض ولا غرض فالأولى الاكتفاء بقوله من حيث إنه لا يوصف به لما عرفت من أنه أبلغ من الرحيم كما وكيفا وترك قوله لأن من عداه مستعيض الخ فإن هذا التعليل لا يثبت به المدعي ولا يعرف به وجه تقديم الرحمن والحاصل أن أبلغية الرحمن إما باعتبار الكمية أو باعتبار الكيفية لا باعتبار قوله : لأن من عداه فهو مستعيض أي طالب بإنعامه العوض بخلاف رحمانيته تعالى فإن أنعامه تعالى إنما هو من محض جوده والجود هو إفاضة ما ينبغي لمن يبتغي لا لعوض ولا لغرض فالرحمة البالغة أقصى غاياتها إنما هي له تعالى دون غيره ولذا كان كالعلم المستحق للتقديم على الصفات .
قوله : ثم إنه الخ تحقيق بعد تحقيق لما في الوجه السابق من أن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره والضمير في أنه لمن عداه في قوله لأن من عداه .
هامش
( 1 ) وأشار بقوله من حيث إنه أي إلى الفرق بين كون اللّه كالعلم وبين كون الرحمن كالعلم حيث قال هنا من حيث إنه لا يوصف به غيره ولم يقل وامتناع الوصف به وعدم تطرق الشركة فيه كما قال هناك فيكون من الصفات الغالبة وأما لفظة اللّه فمن الأعلام الغالبة وقد تقدم أنه يحصل به التوحيد دون الرحمن فلا تغفل .
( 2 ) وقيل لما ظهر من ابلغيته من الرحيم كونه في أصل اللغة بمعنى البالغ في الرحمة غايتها اعتبر في الاستعمال مع البلوغ إلى غاية الرحمة لازمها الذي هو الإنعام الحقيقي وهو ما لا عوض في مقابلته فاستعمل في المعنى المركب من الملزوم واللازم وغلب فيه ولا يخفى أن هذا المعنى الوصفي لا يصدق على غيره تعالى انتهى ولا يخفى ما فيه لأن اعتبار المركب من اللازم والملزوم لا نظير له في الاستعمال مع أنه لا حاجة إليه إذ كون المراد من البالغ في الرحمة البالغ في الإنعام غايته وهو ما لا عوض في مقابلته كاف في المقصود .