قوله : ( وهو يجيره حقيقة ) وهو المعبود بالحق ( أو بزعمه ) بفتح الزاي على الأفصح ويجوز الضم والكسر بمعنى الاعتقاد الباطل فإنه مع غلبة استعماله في ذلك مقابل للحقيقة وهو المعبود بالباطل فإن العائذ إليه يزعم أنه مجير وفيه إشارة إلى أن ضمير اشتقاقه لإله منكرا ولهذا قيل وإنما قال ذلك ليطرد وجه التسمية في إله الباطل أيضا فإن الكلام في اشتقاق إله كما عرفت بخلاف الوجوه الأخر فإنها جارية فيه حقيقة فإن الكفار عبدوه وتحيرت فيه عقولهم القاصرة وسكنت إليه قلوبهم ويفزعون إليه انتهى والكل منظور فيه فإن الكفار لا يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى اللّه زلفى وهم يعرفون حقيقة ما عبدوه وصفته فما معنى التحير وإن أراد به معنى الآخر لا مساس له لبيان وجه اشتقاق الإله من هذه الوجوه وفزعهم « 1 » إليها لجعلهم وسيلة إلى الفزع إلى الذات العلية والمعبود بالحق الأعلى وكذا الكلام في الاطمئنان وكل ما ذكرنا ناطق به القرآن والأحسن ما قيل من أن كلا من الوجهين ناظر إلى الحق بناء على إرجاع ضمير اشتقاقه للّه فإنه تعالى لا يجير كل أحد لكن كل أحد يزعم ذلك انتهى . فالوجوه الأخر إذا أمعن النظر فيها يظهر أنها مختصة بالإله الحق .
قوله : ( أو من إله ) بكسر اللام أيضا ( الفصيل إذا أولع بأمه ) الفصيل رضيع الإبل أو ولد الناقة إذا فصل عن أمه فحينئذ يكون حريصا عليها ومشتاقا إليها وأولع بمعنى لازم محبتها وأولع على المبنى للمفعول فإنه متعد ومعناه أنه جعل والعا مشتاقا إليها بسبب فصله عنها وتخصيص الكلام بولد الناقة مع أن كل ولد حاله كذلك عند الانفصال عن أمه لأن الفصيل مختص به لغة .
قوله : ( إذ العباد ) بكسر العين وفتح الباء المخففة جمع عبد إذ العباد كلهم ( يولعون ) أي يلتجئون ( إليه ) تعالى أخيارهم وأشرارهم وجوز ضم عينه وتشديد بائه على أنه جمع عابد وهو ضعيف فإنهم يولعون إليه تعالى ( بالتضرع ) في السراء والضراء ( في الشدائد ) والمعنى إذ العباد يولعون بفتح اللام أي يجعلون والعين مشتقين إلى لطفه والإنجاء عما يخافون والإعطاء لما يرجون فالإله حينئذ بمعنى متضرع إليه بالحذف والإيصال ولم يتعرض للمعبود بالباطل لما ذكرنا .
قوله : ( أو من وله ) أي الإله مشتق من وله بفتح الواو وكسر اللام ( إذا تحير وتخبط قوله : وهو يجيره حقيقة أو بزعمه الأول في المعبود بالحق والثاني في الباطل .
قوله : إذا أولع بأمه لفظ أولع على صيغة المبني للمفعول بمعنى حرص وكذا بناء يولعون على صيغة المجهول .
قوله : أو من وله إذا تحير هذا يدل على أن الهمزة في إله في قوله وقيل من إله إذا تحير أصلية لا منقلبة من واو فيكون إله ووله مرادفين في معنى التحير .
هامش
( 1 ) قال اللّه تعالىدَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ *قال المص في تفسيره من غير اشراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف انتهى فكيف يقال إنهم يفزعون إليه مع أن القرآن ناطق بخلافه تجاوز اللّه تعالى عنا وعنهم .