الفعل من غير المصدر استشهد عليه بقوله كما قيل استنوق واستحجر في الاشتقاق من الحجر والناقة ثم جعل الإله مشتقا من إله بالكسر والمص عدل عنه إما عن الأول فلأن اشتقاق الفعل من الأعيان على خلاف القياس لا يصار إليه ما لم يقتضيه داع لا سيما في الثلاثي المجرد فإنه في غاية الندرة كقولهم إبل إبالة بكسر الباء في الأول فعل ماض وفتح الهمزة في الثاني مشتق منه الإبل إذا تأنق في رعية الإبل وأحسن القيام بمصالحها وإما عدوله عن الثاني فلأن الإله إذا كان بمعنى المعبود كما اعترف به صاحب الكشاف كان مشتقا من إله بفتح اللام بمعنى عبد لا إله بكسر اللام بمعنى تحير فإنه لا مناسبة بين مطلق المعبود وبين معنى التحير كذا فهم من تقريرهم لكن صاحب الكشاف بين مناسبة بقوله وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم إله إذا تحير ومن أخواته وله وعله ينتظمها معنى التحير والدهشة وهذا القدر كاف في مطلق الاشتقاق نعم ما اختاره المص أسلم من التكلف قيل وذهب الإمام المرزوقي وصاحب المدارك إلى أن الإله مصدر كآلهة وهو خلاف المشهور ولا وجه لما قيل عليه من أنه لم يوجد في اللغة مع أن الإمام المرزوقي إمام أهلها فكفى به مقتدى انتهى . فلصاحب الكشاف أن يقول أردنا به المصدر حين جعلناه مشتقا منه وأردنا به اسما بمعنى المألوه إذا جعلناه مشتقا فيندفع الإشكال الأول كما اندفع الإشكال الثاني بالتوجيه المذكور ( ومنه ) أي من إله بمعنى عبد اشتقاق ( تأله واستأله ) أي تعبد واستعبد ولا يخفى أن تأله واستأله من المزيدات والمزيد مشتق من الثلاثي فاشتقاق تأله واستأله من إله ظاهر لكن لما ذهب صاحب الكشاف إلى أن إله وتأله واستأله كل منها مشتق من الإله حاول الرد صريحا فتعرض له وأيضا نبه به على أن معناهما تعبد واستعبد لا بمعنى صار إلها كتحجر واستحجر بمعنى صار حجرا كما اختاره صاحب الكشاف وينكشف منه أن كل مزيد ليس بمشتق من ماضي الثلاثي إذ بعضه ليس له ثلاثي كتحجر فظهر حسن التعرض لبيان اشتقاقهما .
قوله : ( وقيل من اله ) بكسر اللام ( إذا تحير ) قائله جار اللّه العلامة وإنما مرضه لأن النزاع بين أئمة اللغة إنما وقع في أن الإله مشتق اشتقاقا صغيرا أو لا ويشترط فيه بقاء معنى المشتق منه بتمامه في المشتق ولذلك يرجح اشتقاق الفعل من المصدر على عكسه وليس معنى إله بمعنى تحير موجودا في معنى الإله فضلا عن أن يكون بتمامه ولا في معنى اللّه نعم يلزم ذلك المعنى المطابقي التحير وهو خارج عن المسمى والاكتفاء به في الاشتقاق الصغير بالمعنى اللازم غير متعارف إلا أن يقال الكلام في مطلق الاشتقاق صغيرا كان أو كبيرا فحينئذ يصح كلام الزمخشري ولعل لهذا جوزه وإن مرضه ولم يحكم ببطلانه وكذا الكلام في الاشتقاقات الآتية .
قوله : ( لأن العقول « 1 » تحير بالتفكر في معرفته ) في كبريائه وسائر صفاته العلية قائلين
هامش
( 1 ) لأن العقول تتحير في معرفته أي معرفة المعبود أي الذي يعبد فاتخذ الناس آلهة شتي وزعم كل أن الحق ما هو عليه فكثر الضلال وفشا الباطل وقل النظر الصحيح وما يؤدي إليه من الحق الصريح كذا في الحواشي الشريفية وإنما جعل الضمير إلى مطلق المعبود لأن الكلام في اشتقاق آله دون اللّه وكذا الحال في الضمائر التي ستأتي كذا قيل ولا يخفى ما فيه .