تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
هذا التكلف وهذا المقام لا يخلو عن كدر فإنه لو قيل إن الكلام في اشتقاق اللّه يرد عليه أنه لا معنى للاشتقاق مع لام التعريف فضلا عن اشتقاق لفظة اللّه وأيضا لا يلائمه قوله وهو يجيره حقيقة أو يزعمه ولو قيل إن المقصود بيان اشتقاق إله منكرا لكونه أصلهما يرد عليه أنه لا يلائمه أكثر العبارة الآتية إلا بالتكلفات الباردة وهذا الأخير هو المختار الأثير والكشاف أكثر كلامه هنا ناظر إليه فيلزم التكلفات البعيدة وقد قيل أيضا في دفعه لا يبعد أن يكون ملحوظ واضع اللغة في وضع إله « 1 » للمعبود اطمئنان القلوب بذكر المعبود الحق لما مر من الحصر ثم استعمل في الآلهة الباطلة بعد عبادتها على زعمهم أو لاعتراف الكل به كما مر من أن الكفرة وإن أثبتوا شركاء معترفون بأنه تعالى إله الآلهة وأعظمها انتهى ، وفيه ما لا يخفى إذ الكلام في إطلاق الإله بهذا الاشتقاق على المعبودات الباطلة ولا يفيد في دفع الإشكال المذكور اعترافهم المزبور والوجه الأول من أنه لا يبعد أن يكون ملحوظ واضع اللغة هو المعول عليه وأما قوله أو لاعترافه فينبغي أن لا يتعرض له وبهذا الوجه يندفع الإشكال عن جميع الاحتمالات . قوله : ( أو من إله ) بكسر اللام أيضا ( إذا فزع من أمر ) أي لأجل أمر ( نزل عليه ) فمن تعليلية كقوله تعالى :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا
[ نوح : 25 ] وفزع بمعنى التجأ واستغاث بقرينة إذ العائذ يفزع لبه ولو قال أو إله مشتق من إله إذا فزع إليه من أمر الخ ، لكان أصرح في البيان فحينئذ يكون إله فعال بمعنى مفعول أي مفزوع إليه ففيه حذف وإيصال وهذا من جملة أسباب الضعف . قوله : ( وآلهة ) بالهمزة الممدودة ماض من الأفعال أصله أألهه فصار بقلب الهمزة ألفا آلهة فالهمزة للسلب إذ لمعنى خلصه عما يخافه وأزاله عنه قيل لم يرد المص بقوله ( وآلهة غيره ) بيان مبدأ آخر للاشتقاق وإلا لقال أو من آلهة كما في أخواته كيف ولا يتصور اشتقاق الإله من آلهة بل لكونه مزيدا مشتقا من إله بالكسر أو من الإله إلا أنه لازم لهما وبهذا الاعتبار يمكن القول بأخذ الإله من إله كما يقال الوجه من المواجهة باعتبار أنها لازمة له فالمقصود أن تحقق العلاقة بين الإله وبين إله بالكسر مستلزم لتحقق العلاقة بينه وبين لازمه فكأنه مشتق من مجموع إله بمعنى فزع وآلهة بمعنى ( أجاره ) ولذلك جمع بينهما في بيان وجه الاشتقاق أيضا « 2 » فقال ( إذ العائذ يفزع إليه ) إذ الأول ناظر إلى معنى إله بالكسر والثاني ناظر إلى إلهه فالإله مفزوع إليه ومجير انتهى . فيكون الإله على الوجه الأخير فعالا من الأفعال بمعنى المفعل لكنه لا ضير فيه لأن العرض بيان كثرة مجيء مادته في معنى الفزع وما يتبعه لا بيان الاشتقاق كما عرفت .
هامش
( 1 ) ويقرب من هذا الوجه أن يقال الواضع وضع إلها أو الإله للمعبود باعتبار تحقق هذه المعاني من تحير العقول ونحوه في بعض إفراده الذي هو المعبود بالحق تقدس ذاته . ( 2 ) وأيضا لا وجه لكون الأصل مشتقا من غير ما اشتق منه الفرع ولا لكونهما من أصل واحد بل المتعارف اعتبار اشتقاق الأصل ولا يطلب اشتقاق الفرع .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 124 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر